فهرس الكتاب

الصفحة 2636 من 15334

الأوضاع السياسية القائمة في ذلك الوقت، فقد قضى على عهد دول المدن، وأنشأ بعد التضحية بقسط غير قليل من حرية هذه المدائن نظامًا أوسع رقعة وأعظم استقرارًا من أي نظام عرفته أوربا قبل عهده. وقد ظلت الفكرة التي قامت بذهنه عن الحكم، الحكم الاستبدادي الذي يستعين بالدين لفرض السلم على أمم مختلفة الأجناس والألوان، نقول ظلت هذه الفكرة هي المسيطرة على أوربا حتى العصر الحديث عصر القومية والديمقراطية. وقد حطم الحواجز القائمة بين اليونان و"البرابرة"ومهد السبيل لعالمية العصر الهلنستي؛ وفتح آسية الدنيا للاستعمار اليوناني، وأنشأ في بلاد الشرق مستعمرات يونانية وصلت في هذا الاتجاه إلى بكتريا، وجمع عالم البحر الأبيض المتوسط الشرقي في نظام تجاري موحد واسع النطاق شجع التجارة وأطلقها من قيودها؛ ونقل الآداب والفلسفة والفنون اليونانية إلى آسية، ومات قبل أن يدرك أنه مهد السبيل لذلك الانتصار الديني العظيم الذي ظفر فيه الشرق بالغرب. ولقد كان ارتداؤه الملابس الشرقية وتحوله إلى الأساليب الشرقية بداية انتقام آسية من أوربا.

ولقد كان من الخير للإسكندر أن يموت وهو في عنفوان مجده؛ ولو أنه طال به العمر لتكشف له أنه كان مخدوعًا في كثير من الأمور، ولعله لو عاش لأقضت مضجعه الهزائم والآلام ولأحب السياسة - وكان قد بدأ يحبها - أكثر مما يحب الحرب. لكنه أجهد نفسه فوق طاقته، وأكبر الظن أن ما كان يتطلبه حفظ دولته العظيمة قوية موحدة، ومراقبة أجزائها المختلفة بأجمعها، قد بدأ يحدث الاضطراب في عقله المشرق النير. ذلك أن الجد ليس إلا نصف العبقرية، أما نصفها الآخر فهو السيطرة على أعنة هذا الجد وتملك ناصيته؛ ولكن الإسكندر كان كله جدًا ونشاطًا. وكان يعوزه - وإن لم يكن من حقنا أن نتطلب منه - نضج قيصر الهادئ أو حكمة أغسطس ودهاؤه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت