فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 15334

ودام حكم هذه الملكة اثنتين وعشرين سنة كان فيها حكما سلميًا حكيمًا، ثم خلفها تحتمس الثالث وكان حكمه مليئًا بالحروب، فقد انتهزت بلاد سوريا فرصة موت حتشبسوت فثارت على مصر، وظن أهلها أن تحتمس الثالث، وهو شاب في الثانية والعشرين من عمره، لن يستطيع الاحتفاظ بالدولة التي أقامها أبوه. ولكن تحتمس لم يقعد عن العمل فسار على رأس جيشه في السنة الأولى من حكمه عن طريق القنطرة وغزة بسرعة عشرين ميلًا في كل يوم، والتحم بالقوات الثائرة عند هار مجدو"أي جبل مجدو"، وهي بلدة صغيرة ذات موقع حربي منيع بين سلسلتي جبال لبنان على الطريق الممتد بين مصر ونهر الفرات. وهي بعينها مجدًا التي وقعت فيها عدة وقائع حربية من ذلك اليوم إلى أيام ألِنْبِي. وفي نفس الممر الذي هزم فيه الإنكليز الأتراك في عام 1918م أثناء الحرب العالمية الأولى هزم تحتمس الثالث السوريين وحلفائهم قبل ذلك بثلاثة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعين عامًا. ثم سار تحتمس مظفرًا مخترقًا غرب آسية يخضع أهلها ويفرض عليهم الضرائب ويجمع منهم الخراج، وعاد بعد إذ إلى طيبة منتصرًا بعد ستة أشهر من بداية زحفه [1] .

وكانت هذه الحملة أول حملات بلغت عدتها خمس عشرة أخضع فيها تحتمس الباسل بلاد البحر الأبيض المتوسط الشرقي لحكم مصر. ولم يكن عمله عمل الفاتح فحسب، بل إنه عمل أيضا على تنظيم فتوحه، فأقام في جميع البلاد المفتوحة حاميات قوية، وأنشأ فيها حكمًا منظمًا قديرًا. وكان تحتمس أول رجل في التاريخ أدرك ما للقوة البحرية من شأن عظيم، فأنشأ أسطولًا أخضع لسلطانه بلاد الشرق الأدنى. وكان ما ظفر به من غنائم عماد الفن المصري في عهد الإمبراطورية، كما كان الخراج الذي أخذ ينصب في مصر من بلاد الشام منشأ حياة الدعة والنعيم التي تمتع بها شعبه، فوجدت في مصر طبقة جديدة من الفنانين غمرتها بروائع الفن. وفي وسعنا أن نتصور إلى حد ما ثروة الحكومة الإمبراطورية الجديدة إذا عرفنا

(1) تطلب هذا العمل نفسه من ألِنبِي ضعفي هذا الزمن؛ وحاول نابليون أن يقوم بمثله في عكا فأخفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت