فهرس الكتاب

الصفحة 3735 من 15334

إلى ما طلبوا، وعيّن ليتس Laetus بدلًا منه. وظل ليتس يصرف الأمور ثلاث سنين أيقن بعدها أن منيته قد دنت، فقد وقع في يده مصادفة ثبت بأسماء المحكوم بإعدامهم، وكان يحوي أسماء أنصاره وأصدقائه ومارسيا Marcia. فلما كان آخر يوم من عام 192 قدّمت مارسيا لكمودس كأسًا من السم، ولما أبطأ مفعول السم، خنقه اللاعب الذي كان قد أبقاه في الحمّام ليثاقفه، وكان وقتئذ شابًا في الحادية والثلاثين من العمر.

ولنعد إلى الوراء قليلًا فنقول إن رومة حين مات ماركس كان قد بلغت أوج عظمتها وبدأت في الاضمحلال. فقد امتدت حدودها إلى ما وراء نهر الدانوب؛ ووصلت إلى إسكتلندة، والصحراء الكبرى، وجبال القوقاز، وروسيا، وأبواب بارثيا؛ وكانت قد وهبت هذا الخليط المضطرب من الشعوب والأديان وحدة، إن لم تكن في اللغة والثقافة، فقد كانت في القليل وحدة في الاقتصاد والتشريع. وقد صاغت منها مجموعة عظيمة من الأمم المرتبطة برباط واحد؛ وكان تبادل السلع يجري في داخلها حرًا موفورًا بدرجة لم يكن لها نظير من قبل؛ وظلت قرنين من الزمان تصد البرابرة عن هذه الدولة العظيمة وتهبها الأمن والسلام. وكان عالم الجنس الأبيض ينظر إليها على أنها مركز العالم كله، وأنها المدينة الخالدة القادرة على كل شيء. ولم يشهد العالم في عصر من العصور السابقة مثل ما شهده فيها من الثراء، والعظمة والسلطان.

وفي وسط هذا الرخاء الذي كانت مظاهرة تتألق في رومة خلال هذا القرن الثاني كانت تنبت جميع بذور الأزماتالتي قضت على إيطاليا في القرن الثالث. وكانت لماركس اليد الطولى في خلق هذه الأزمات لأنه رشح كمودس للجلوس على العرش من بعده، ولأن ما خاضه من الحروب زاد السلطة تركيزًا في يدي الإمبراطور. فقد احتفظ كمودس في زمن السلم بالسلطات التي وضعها أورليوس في يده زمن الحرب. فذوي غصن الاستقلال الفردي والمحلي، والابتكار والأنفة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت