ولما بلغ التاسعة عشرة من العمر غادر قرطاجنة إلى عالم روما الواسع. وخشيت أمه ألا يعمد فرجته ألا يذهب إلى روما، فلما أصر على الذهاب، توسلت إليه أن يأخذها معه. فتظاهر بموافقتها على توسلها، ولكنه حين ذهب إلى الميناء تركها تصلي في معبد صغير وأبحر دون أن يأخذها معه (57) . وقضى عامًا في روما يعلم البلاغة، ولكن تلاميذه لم يؤدوا له أجره، فطلب أن يعين أستاذًا في ميلان، وامتحنه سيماخوس ووافق على طلبه وأرسله إلى ميلان ببريد الدولة، وهناك لحقت به أمه الشجاعة، وأقنعته بأن يسمع معها إلى مواعظ أمبروز، وتأثر هو بهذه المواعظ، ولكنه تأثر أكثر من هذا بالترنيمة التي ترنم بها المصلون. وأقنعته مونكا في الوقت عينه بأن يتزوج، ثم خطبت له عروسًا بالفعل، وكان الآن في الثانية والثلاثين من عمره، وكانت عروسه بنتًا صغيرة في السن عظيمة الثراء ورضى أوغسطين أن ينتظر عامين حتى تبلغ الثانية عشر. وكان أول ما أستعد به لزواجه أن أعاد حظيته إلى أفريقية، حين دفنت أحزانها في دير النساء. وكان امتناعه عن النساء أسابيع قليلة كافيًا لأن يسبب له انهيارًا في أعصابه، فأستبدل بالزواج حظية أخرى، ودعا الله قائلا:"ارزقني العفة، ولكنها لم يحل أوانها بعد" (58) .
وقد وجد في خلال هذه المشاغل المختلفة وقتًا لدراسة العلوم الدينية. ولقد بدأ الرجل حياته بعقيدة أمه البسيطة، ولكنه نبذها بأنفه وكبرياء حين ذهب إلى المدرسة، ظل تسع سنين معتنقًا عقيدة الأثنينية المانية لأنه رأى وسيلة لفهم العالم المركب من الخير والشر بالتمييز بينهما. وقضى بعض الوقت يداعب تشكك المجمع العلمي المتأخر، ولكن مزاجه الشديد التأثر والانفعال لم يكن يطيق البقاء زمنًا طويلًا معلق الحكم. ودرس وهو في روما وميلان كتب أفلاطون وأفلوطين