وتأثرت فلسفته أشد التأثر بالأفلاطونية الجديدة، وظلت تسيطر على طريقة على علوم الدين المسيحية إلى أيام أبيلار Abelard. وكانت هذه الفلسفة سبيل أوغسطين إلى المسيحية. وكان أمبروز قد أشار عليه بأن يقرأ الكتاب المقدس على ضوء ما قاله بولس من أن"الحرفية تقتل ولكن الروح تعمل للحياة". ووجد أوغسطين أن التفسير الرمزى للكتاب المقدس يزيل ما كان يبدو له في سفر التكوين من سخف، ولما قرأ رسائل بولس شعُر بأنه قد وجد رجلًا مرت به مثله آلاف الشكوك، فلما ثبتت عقيدته أخر الأمر لم يكن عقلا أفلاطونيا مجردًا بل وجد كلمة الله التي أصبحت إنسانًا. وبينما كان أوغسطين جالسًا في يوم من الأيام في إحدى حدائق ميلان مع صديقه اليبيوس، خيل إليه أنه يسمع صوتًا يطن في أذنيه ويناديه:"خذ واقرأ، خذ واقرأ". ففتح رسائل بولس مرة أخرى وقرأ:
لا بالبطر والسكر، لا بالمضاجع والعهر، لا بالخصام والحسد. بل ألبسوا الرب يسوع المسيح، ولا تضعوا تدبيرًا للجسد لأجل الشهوات [1] .
وكانت هذه الفقرة خاتمة تطور طويل الأمد في مشاعر أوغسطين وأفكاره. وقد وجد في هذا الدين العجيب شيئًا أعظم حرارة وأعمق فكرًا من كل ما في منطق الفلسفة؛ لقد جاءته المسيحية لترضى فيه عاطفته المنفعلة القوية؛ فلما أن تخلص من التشكك الذهني وجد لأول مرة في حياته دافعًا خلقيًا قويًا، وراحة عقلية، وأقر صديقه اليبيوس أنه هو الأخر مستعد لأن يخضع مثله لهذا الصوت الجديد، وتلقت مُونِكا هذا الاستسلام منهما فعكفت على الصلاة حمدًا لله على هذه النعمة.
(1) من رسالة بولس الرسول ال أهل رومية الإصحاح الثالث عشر، الآية 14. (المترجم) .