البقرة، وانقلب هو ثورًا، فزاوجها، وكان بازدواجهما أن تولدت الماشية، فاتخذت لنفسها هيئة الفرس، واتخذ لنفسه الجواد، ثم أصبحت هي حمارة فأصبح هو حمارًا، وزاوجها حقًا، وولدت لهما ذوات الحافر، وانقلبت عنزة فانقلب لها تيسًا، وانقلبت نعجة فانقلب لها كبشًا، وزاوجها حقًا، وولدت لهما الماعز والخراف، وهكذا حقًا كان خالق كل شئ، مهما تنوعت الذكور والإناث، حتى تبلغ في التدرج أسفله إلى حيث النمال، وقد أدرك هو حقيقة الأمر قائلًا:"حقًا إني أنا هذا الخلق نفسه، لأني أخرجته من نفسي، من هنا نشأ الخلق" (69) .
في هذه الفقرة الفريدة بذرة مذهب وحدة الوجود وتناسخ الأرواح، فالخالق وخلقه شئ واحد، وكل الأشياء وكل الأحياء كائن واحد، فكل صورة من الكائنات كانت ذات يوم صورة أخرى، ولا يميز هذه الصورة من تلك ويجعلهما حقيقتين إلا الحس المخدوع وإلا تفريق الزمن بينهما؛ هذه النظرة لم تكن قد ظهرت بعد أيام الفيدا جزءًا من العقيدة الشعبية، وان تكن قد لقيت صياغتها على هذا النحو في"يوباتشاد"، فالآرى الهندي- مثل زميله الآري الفارسي- بدل أن يعتقد في تناسخ الأرواح على صور متتابعة، آمن بعقيدة أبسط، إذ آمن بالخلود الشخصي، فالروح بعد الموت تلاقي إما عذابًا أو نعيمًا، فإما أن يلقيها"فارونا"في هوة مظلمة سحيقة، أو في جهنم ذات السعير، وأما أن يتلقاها"ياما"فيرفعها إلى الجنة حيث كل صنوف اللذائذ الأرضية قد كمأت ودامت إلى أبد الآبدين (70) ، وفي ذلك يقول سفر"كاثا"من أسفار يوبانشاد:"يفني الفاني كما تفني الغلال، ويعود إلي الحياة في ولادة جديدة كما تعود الغلال" (71) .
وليست تدلنا الشواهد على أن الديانة الفيدية في أولى مراحلها كان لها معابد وأصنام (72) ، بل كانت مذابح القرابين تنصب من جديد لكل قربان يراد تقديمه، كما هي الحال في فارس الزرادشتية، وكان يناط بالنار المقدسة أن