أمر بالحلم أن تقص عليهم قصته، واستفسرهم ما يكنه الغيب، فقال البراهمة: لا يأخذنك الهم أيها الملك، فقد حملت الملكة، حملت ذكرًا لا أنثى، وسيكون لك ابن؛ ولو سكن ذلك الولد بيتًا فسيكون ملكًا، سيكون ملكًا على الدنيا بأسرها، وأما إن ترك داره وخرج من أحضان العالم، فسيصبح بوذا، وسيكون في هذا العالم رافع الغشاوة عن أعين الناس (غشاوة الجهل) ...
وحملت الملكة"مايا""بوذيساتاوا"عشرة أشهر كأنه الزيت في القدح، ولما أن جاءها أو أنها رغبت في الذهاب إلى بيت أهلها، ووجهت الخطاب إلى الملك"شدذوذانا"قائلة:"أريد أيها الملك أن أذهب إلى"ديفاداذا"مدينة أسرتي"فوافق الملك وأمر بالطريق من"كابيلا فاستو"إلى"ديفاداذا"أن يمهد وأن يزين بأصص النبات، وبالرايات والأعلام، وأجلسها في هودج من ذهب يحمله ألف من رجال البلاط، وأرسلها إلى بيت أهلها في حاشية كبيرة؛ وبين البلدين حرج يملكه أهل المدينتين جميعًا، هو حرج يمرح فيه الناس يتألف من أشجار"الملح"ويسمى"حرج لمبيني"، وكان الحرج إذ ذاك كتلة واحدة من الزهر الذي يغطي الأشجار من جذورها إلى رؤوسها ... فلما رأته الملكة رغبت في أن تمرح في الحرج، وذهبت إلى جذع شجرة كبيرة من أشجار"الملح"وأرادت أن تمسك بغصن من غصونها، فانحنى الغصن حتى بات في متناول يدها كأنه الطرف الأعلى من قصبة لينة، ومدت يدها وتناولته، وفي هذه اللحظة عينها اهتزت بالمخاض، فأقامت لها الحاشية ستارًا يسترها، وأبعدت عنها، فوضعت وليدها وهي لم تزل واقفة ممسكة بغصن الشجرة في يدها؛ ولم ينزل"بوذيساتاوا"- كما ينزل سائر الأطفال من أجواق أمهاتهم- ملوثًا بالشوائب؛ بل نزل"بوذيساتاوا"كما ينزل الواعظ من منبر وعظه، نزل كأنه الرجل ينزل السلم، ومد يديه وقدميه، ووقف لا يلوثه القذر ولا تدنسه شائبة من الشوائب، وقف مشرقًا بالضوء كأنه جوهرة موضوعة على ثوب بنارسي، هكذا هبط من جوف أمه" (28) ."