وفوق ذلك ينبغي أن تعلم أن عند مولد بوذا ظهر في السماء ضوء لامع، وسمع الأصم، ونطق الأبكم، واستقام الأعرج على ساقيه، وانحنت الآلهة من علياء سمائها لتمد له أيدي المعونة، وأقبل الملوك من نائي البلاد يرحبون بمقدمه، وتصور لنا الأساطير صورة زاهية لما أحاط نشأته من أسباب العز والترف؛ وعاش عيش الأمير الهانئ في ثلاثة قصور"كأنه إله"، وكان أبوه يقيه، مدفوعًا بحبه الأبوي، شر الاتصال بما تعانيه الحياة البشرية من آلام وأحزان؛ وكان يقوم على تسليته أربع آلاف راقصة، ولما بلغ الرشد، عرضت عليه خمسمائة سيدة ليختار إحداهن زوجة له؛ ولما كان ينتمي إلى طبقة"الكشاترية"- أي المقاتلين- أحسن تدريبه في الفنون العسكرية، ولكنه إلى جانب ذلك جلس عند أقدام الحكماء حتى أتقن دراسة النظريات الفلسفية كلها التي كانت شائعة في عصره (29) ؛ وتزوج وأصبح والدًا سعيدًا بحياته، وعاش في ثراء ودعة وطيب أحدوثة.
ويروى الرواة الصالحون أنه خرج من قصره ذات يوم إلى الطرقات حيث عامة الناس، وهنالك رأى شيخًا كهلًا؛ وخرج يومًا ثانيًا فرأى رجلًا مريضًا؛ وخرج يومًا ثالثًا فرأى ميتًا ... فاسمع له يروي القصة بنفسه- كما نقلها عنه أتباعه في الكتب المقدسة- يرويها فيحرك في نفسك كامن الشعور:
"وبعدئذ أيها الرهبان جرت خواطري على النحو الآتي- فيما كنت فيه من جلال عيش ورفاهية بالغة- قلت لنفسي:"إن رجلًا جاهلًا من سواد الناس، ستنال منه الكهولة كما نالت من ذلك الشيخ، وليس هو بالبعيد عن نطاق الشيخوخة، يضطرب ويستحي وتعاف نفسه حين يبصر بشيخ كهل، لأنه يتصور نفسه في مثل حالته؛ إنني كذلك قابل للشيخوخة، ولست بعيدًا عن نطاقها؛ أفينبغي لي- وأنا القابل للشيخوخة- إذا ما رأيت شيخًا كهلًا، أن أضطرب وأن أستحي وأن تعاف نفسي؟"لم أر ذلك مما يليق؛ ولما طاف برأسي هذا الخاطر، ذهب عني بغتة كل تيه بشبابي ..."