إلى عهد بعيد في القِدَم، إذ ترى اسمهم مذكورًا في مراسيم"أشوكا"، لكننا لا ندري عنهم شيئًا حتى القرن التاسع حين بدءوا شوطًا طويلًا تملؤه الغزوات التي جاءتهم بأموال الجزية من الهند الجنوبية كلها بما في ذلك جزيرة سيلان؛ ثم اضمحل سلطانهم وانطووا تحت حكم أعظم الدويلات الجنوبية، وهي دولة"فيجاياناجار" [1] .
أن"فيجاياناجار"- وهو اسم يطلق على مملكة وعلى عاصمتها معًا- مَثلٌ حزين يساق للمجد الذي يعفى عليه النسيان؛ وقد كانت في أيام عزها تشتمل على الدويلات التي يحكمها الأهلون اليوم في جنوبي شبه الجزيرة، كما تشتمل على ميسور وعلى اتحاد مِدْراس بكل أجزائه؛ وحسبك إذا أردت أن تتصور ما كان لها من سلطان وثراء، أن تتذكر أن ملكها"كرشنارايا"زحف إلى موقعة تاليكونا بجيش قوامه 000ر703 من المشاة، و 600ر32 من الفرسان، و 551 فيلًا، يصحبهم ما يقرب من مائة ألف من التجار والبغايا وغير هؤلاء وأولئك ممن كانوا يصحبون معسكرات الجند في ذلك العصر إذا ما زحف الجيش في غزواته (63) ولقد حد من أوتوقراطية الملك قدر من الاستقلال الذاتي تمتعت به القرى، كما حد منها كذلك ملوك كانوا يظهرون آنًا بعد آن، يتميزون عن سواهم بعقولهم المستنيرة وقلوبهم الرحيمة.
ولك أن تقارن"كرشنارايا"الذي حكم"فيجاياناجار"بمعاصرة هنري
(1) في هذه المجموعة المتباينة من الممالك التي نكاد ننسى ذكرها اليوم، ترى فترات من الخلق الأدبي والفني، ومن الخلق المعماري بصفة خاصة؛ فقد كان لها عواصم غنية وقصور فاخرة وملوك أقوياء؛ لكننا إزاء الهند برقعتها الفسيحة وبتاريخها الطويل، لا يسعنا في هذه الفقرة المزدحمة بذكر الحوادث، إلا أن نمر برجال كانوا يظنون في عهودهم أنهم سادة الأرض كلها، لا يسعنا إلا نمر برجال كهؤلاء دون أن نذكر أسماءهم؛ خذ لذلك مثلًا"فكرامادتيا"الذي حكم الشاليوكيين مدى نصف قرن (1076م- 1126م) فقد بلغ من التوفيق في حروبه حدًا جعله يفكر (مثل نيتشه) في أن يضع للعالم تاريخًًا زمنيًًا جديدًا يقسم التاريخ كله إلى ما قبل حكمه وما بعد حكمه؛ ومثل هذا الرجل قد أصبح اليوم حاشية تذكر في هامش الكتاب.