الثامن مقارنة ستكشف لك عن تفوقه على هنري الثامن الذي ما فتئ محبًا للنساء لأنك سترى فيه ملكًا أنفق حياته في العدل والرحمة، وبسط كفه بالإحسان الغزير. وتسامح إزاء الديانات الهندية، وكان له شغف بالآداب والفنون فأيدها، وكان كريمًا مع من سقط في يديه من أعدائه فعفا عنهم ولم يمس مدنهم بسوء، وانصرف بجهده كله حتى الإفراط، إلى شئون الحكم، ولقد كتب مبشر برتغالي- هو دومنجوزبيز سنة 1522م- فوصفه بقوله:
"إنه بلغ أقصى ما يمكن لملك أن يبلغه من الهيبة والكمال وهو ذو مزاج بهيج وشديد المرح، ومن صفاته أنه لا يألو جهدًا في تكريم الأجانب وفي الحفاوة بهم ... إنه حاكم عظيم ورجل يغلب على أخلاقه العدل، ولكنه يثور بالغضب فجأة حينًا بعد حين ... وهو بحكم منزلته أسمي منزلة من سائر الحاكمين، لما له من جيوش وسعة سلطان، لكنه فيما يبدو لم يكن في واقع الأمر يحظى بما كان ينبغي لرجل في مثل مكانته أن يحظى به؛ فهو من الشهامة والكمال في كل شئ بمكان" [1] .
وربما كانت العاصمة التي تأسست سنة 1336م أغنى مدينة عرفتها الهند حتى ذلك الزمان؛ زارها"نيكولوكونتي"حول سنة 1420م فقدر محيطها بستين ميلًا، ووصفها"بيز"فقال إنها"في اتساع روما وتراها العين فترى جمالًا خلابًا"ثم أضاف إلى ذلك قوله:"إن بها أحراشًا كثيرة من الشجر وقنوات مائية عدة"ذلك لأن مهندسيها قد أقاموا سدًا ضخمًا على نهر تنجابادرا وأنشئوا بذلك خزانًا ينتقل الماء منه إلى المدينة بقناة طولها خمسة عشر ميلًا، وقد كان الخزان منحوتًا في صخر أصم مدى عدة أميال؛ وقال"عبد الرزاق"الذي شهد المدينة سنة 1443م أن فيها"ما لم تر مثيله في أي جزء من أجزاء العالم عين ولا سمعت بمثيله أذن"واعتبرها"بيز""أوفر بلاد الدنيا مؤونة ... ففيها من كل شئ وفرة"ويروى لنا أن عدد دورها قد أربى على مائة ألف،
(1) كان بين هذه المقتنيات المتواضعة اثنتا عشرة ألف زوجة.