واحتل دلهي، وذبح مائة ألف من الأسرى ذبحًا متعمدًا، وسلب من المدينة كل أموالها التي كانت الأسرة الأفغانية المالكة قد كدستها هناك، وحملها معه إلى سمرقند، مستصحبًا كذلك عددًا كبيرًا من النساء والعبيد، تاركًا وراءه الفوضى والمجاعة والوباء (84) .
وعاد سلاطين دلهي فاعتلوا عرشهم، واستغلوا الهند قرنًا آخر من الزمان، حتى جاءهم الفاتح الحقيقي، وهو"بابور"الذي أسس أسرة المغول [1] العظيمة وهو يشبه الإسكندر كل الشبه في شجاعته وجاذبيته، ولما كان سليل تيمور وجنكيز خان معًا، فقد ورث كل ما اتصف به هذان الحاكمان- اللذان ألهبا آسيا- من قدرة، دون أن يرث ما كان لهما من غلظة القلب؛ وكان يعاني من فيض نشاط في جسده وعقله، فطفق يقاتل ويخرج للصيد وللرحلة دون أن يروى بذلك غلته، ولم يكن عليه عسيرًا أن يقتل بمفرده خمسة أعداء في خمس دقائق (87) ، وحدث أن قطع في يومين مائة وستين ميلًا وهو راكب على ظهر جواده، ثم واصل مجهوده ذاك فسبح نهر الكنج مرتين كأن الرحلة لم تكفه دليلًا على نشاطه؛ ولقد قال وهو في أواخر سنيه أنه منذ عامه الحادي عشر لم يصم رمضان مرتين في مكان واحد (88) .
وله"ذكريات"يستهلها بقوله:"لما بلغت من العمر اثني عشر عامًا أصبحت حاكمًا على فرغانة" (89) ولما بلغ الخامسة عشرة حاصر سمرقند واستولى عليها، ثم ضاعت من يده لعجزه عن دفع رواتب جنده، واعتلّت صحته حتى أوشك على الموت، واعتصم بالجبال حينًا، ثم عاد إلى المدينة فاستولى عليها بقوة قوامها مائتان وأربعون رجلًا، وعاد من جديد ففقدها بخيانة غادر؛ فاختبأ في غمرة من الفقر عامين، حتى لقد فكر في نفض يده
(1) "المغول"و"المنغول"اسمان على مسمى واحد؛ والمغول في حقيقة أمرهم أتراك، لكن الهنود كانوا يسمون- ولا يزالون يسمون- المسلمين الشماليين (ماعدا الأفغان) بالمغول وكلمة"بابور"كنية منغولية معناها أسد، أما الاسم الحقيقي لأول إمبراطور مغولي سيطر على الهند فهو زهير الدين محمد.