وفي غضون ذلك كانت الحركة قد انتشرت، كما تنتشر أي إشاعة، في أنحاء جنوب ألمانيا، وتملكت المرتدين حماسة فياضة للقيام بدعاية للمذهب الإنجيلي، وحولهم ذلك إلى رسل متحمسين للعقيدة الجديدة. وأحرز دنك وهيبماير في أوجسبورج نجاحًا سريعًا بين عمال النسيج والطبقة الوسطى الدنيا، وما أن قارن كثير من عمال المناجم في التيرول ما هم فيه من مسغبة، وما ينعم به من ثراء آل فوجر وآل هوخشتتر، الذين كانوا يملكون المناجم، حتى اعتنقوا اللامعمدانية عندما انهارت ثورة الفلاحين، أما في ستراسبورج فإن الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت أتاح للطائفة أن تتضاعف دون أن يلحظ ذلك أحد لبعض الوقت. إلا أن كتيبًا صدر عام 1528 حذر السلطات من أن"مَن يعلم الناس أن كل الأشياء يجب أن تكون على المشاع لا يخطر بباله إلا إثارة الفقراء ضد الأغنياء، والرعايا ضد الحكام الذين عينهم الله" (56) . وفي هذا العام أصدر شارل الخامس مرسومًا ينص على أن إعادة التعميد تُعَد جريمة عظمى. وصدق مجلس سبيير Speyer النيابي (1529) على مرسوم الإمبراطور وأمر بإعدام اللامعمدانيين أينما وجدوا وحالما يقبض عليهم كما يقضى على الوحوش المفترسة، ذلك دون أية محاكمة. وكتب مؤرخ لامعمداني تحقيقًا عن النتيجة، ولعله كان مغاليًا، بأسلوب كتاب سير القديسين المسيحيين الأوائل:
عُذّب البعض على المخلعة، وشُدّت أطرافهم حتى انتزعت، وأُحرق البعض الآخر حتى غدت أجسادهم رمادًا وهباء منثورًا، وشوي لحم البعض فوق أعمدة أو مزقوا إربًا بكماشات ملتهبة إلى درجة الاحمرار ... وشنق آخرون فوق الأشجار، أو قطعت رؤوسهم بالسيف أو ألقي بهم في لجة الماء ... ومات بعضهم جوعًا أو هلكوا في غياهب السجون المظلمة ... وأعتُبر البعض منهم أصغر سنًا من أن ينفذ فيهم حكم الإعدام فضربوا بالعصي، وظل الكثيرون منهم سنوات في غياهب السجون ... وختمت على خدودهم أرقام تركت فيها أخاديد ... أما الباقون فقد طوردوا