نهجت نهج الاعتدال وعدم الخلاف وركزت على البساطة وعدم التشدد واكتفيت بالمذهب الشافعي في كل العبادات, وكسبت قلوب جميع أهل القرية دون استثناء, وانتحلت شخصية جديدة, باسم"عبد الكريم شريف حسين"وسموني"الأستاذ عبد الكريم", وقد عملت كل ما بوسعي من تقديم الأفضل في تخصصي ونجحت في جذب الشباب والشابات لمادة التجويد وحفظ القرآن, ثم قررت إدارة المدرسة بأن أدرس مادة الإملاء للصف التاسع والثامن, وأصعب ما كنت أواجهه هي تدريس البنات, وبنات قرى الساحل متساهلات, وطلبت من المعهد أن يكون ذلك من وراء حجاب ولكن ليس من عاداتهم فعل ذلك, ثم طلبت من طالبات الصف السادس والسابع والثامن والتاسع لبس النقاب ولكن دون جدوى, فكلهن بالغات العمر ويدرسن صباحا في المدارس العصرية وفي المساء يأتين إلى المعهد الإسلامي, أعرف أن هذا ليس اختلاط غير مشروع, فكلهن محارم لغيرهن, وأنا مدرسهم, وليس هناك أي خلوة غير شرعية ولا مانع من تدريسهن وهن كاشفات الوجوه, لأن عورة المرأة كل بدنها عدا الوجه والكفين والدين واسع والحمد لله, ولم أنقطع عن التدريس وبقيت في القرية لفترة طويلة جدا, حيث أنام وأكل وأشرب وأعبد ربي وكأنني في بلدي, كانت ظروف القرية عادية ولكننا تعودنا عليها, فلم يكن هناك كهرباء عام بل مكينة صغيرة توزع الأنوار لمن تيسر له الدفع حيث المصباح الواحد يقابل دولارا ونصف في الشهر, وكنت منسجما مع الفانوس فقد نظمت دروس ليلية في بيت العائلة التي استضافتني, وبعد المغرب أحفِّظ البنات سورة الكهف وأفسرها بالسواحلية من كتاب التفسير للشيخ العلامة عبد الله فارسي, ونقرأ في السيرة النبوية من كتاب الرحيق المختوم, ورياض الصالحين.
واجهت تحديا حقيقيا فالباجون البحّار يستخدمون مخدر الحشيش, وهذه الممارسات منتشرة في القرية وتأثر الشباب من ذلك, وكنت أحاول محاربتها بالموعظة الحسنة وإبصار الشباب النتائج العكسية لذلك المخدر الخبيث, وهذه القرية مشهورة بأنها تحتفظ بتراث قديم حيث تصنع الأحذية الجلدية العربية الفاخرة باستخدام جلود البقرة والمعز, وقد تعلمت هذه الحرفة من ألف للياء, وهذه الأحذية الجلدية تصنع أيضا في جزر القمر, إن التعلم المحن الحرفية من سنة الأنبياء, وهناك تشابه بين القري القمرية وقرية سييو, مثل مراسم الزواج واللباس, وطبعا لم يعرف أحدا أنني من جزر القمر أبدا, بل الكل عرف أنني يمني كيني, قد أحبني الجميع دون استثناء فكنت أتفقد الطلاب والطالبات في بيوتهم وأسأل عن أحوالهم إذا غأبو عن المدرسة, والذي لاحظته طوال تلك الفترة أن البنات تأثرن بدعوتي أكثر من الأولاد, وهذا أمر منتشر في الساحل فالنساء أكثر التزاما بالسنة من الأولاد, وأظن هذا في كل العالم فنسبة قدوم النساء لتعلم القرآن والسنة النبوية ترتفع والحمد لله, وهذا ما نريده فالمرأة هي أساس المجتمع, وعندما وصلت لأول المرة في القرية كانت البنات البالغات لا يرتدين الحجاب إلا عند الذهاب للمدرسة فقط, ولكن لم يمر شهرا حتى وفقني الله فقد شرحت لهن أن الحجاب فرض شرعي كالصلاة وغيرها, واتخذنا اجراءات صارمة للبنات اللواتي لا تلتزمن بالحجاب خارج المدرسة حيث تسجل اسمها ويتم معاقبتها بطردها من بعض الحصص لمدة يوم