تركت مقديشو سنة 1994 م عندما انسحب الأمريكان بعد أن هزمناهم, وأقفلنا مكاتبنا هناك ورجعنا إلى السودان لأرجع إليها بعد سبعة سنوات بالضبط, ولكن هذه المرة اختلفت الأمور, فقد تقدمت مقديشو في الاتصالات, وهناك سلطة ضعيفة ومدعومة من قبل المحكمة الإسلامية, فقد اهتم شباب الحركة الإسلامية في السنوات الأخيرة, بقتال قطاع الطرق وتأمين العاصمة وقد نجحوا كثيرا في ذلك, وكادت أن تتحول مقديشو إلى قندهار جديد, والكل يعرف أن الحل في الصومال مع الإسلام وليس مع القبلية, أقيمت المحاكم الشرعية بقصد إقامة الحدود وردع الظالمين, ومن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وقد استفاد عبد قاسم سلاد من هذه الحركة وعندما انتخب رئيسا في جيبوتي, لم يكن ليتجرأ ليأتي إلى العاصمة بحكومته إلا بدعم من شباب الحركة الإسلامية الذين استقبلوه في المطار, وعبد قاسم سلاد من قبيلة العاير (هبر جدر) وهكذا يكون من أهل مقديشو, وهو من فخذ آخر غير فخذ عديد وعثمان عطو, فهما من سعد, وقام عبد قاسم بتأسيس جيش وحاول انقاذ ما يستطيع ولكنه كان دائما يواجه خصومه عديد والأبقال الذين يسيطرون فعليا على المناطق والمتاجر وغيرها, وحكومة سلاد كانت تسيطر فقط على بعض المناطق في جنوب مقديشو, والوسط ويتواجد فيها المقر الرئاسي والفنادق العالمية, وعندما نزلنا في المطار تحركت بحقيبتي وأراد شرطي الجمارك أن يرى جوازي فقال له صاحبي بأنني صومالي ومسافر من هارغيسا, وهكذا خرجنا من الصالة الصغيرة, وهي عبارة عن غرفة واحدة, أما الأغراض والعفش فهي تحضر عن طريق تراكتور ومعظمها أغراض تجارية, ويكون هناك ممثلين للشركات لأخذ أغراضهم, واتجهت مباشرة إلى الباص المخصص للركاب, فإن فاتتك السيارة لن تتمكن من الذهاب إلى مقديشوا لأن الطريق مليئ بقطاع الطرق.
أخرجت 20$ لتغيرها إلى عملة صومالية وعلمت خطورة ذلك فلو عرفوا أنني أجنبي أو أحمل أموال أجنبية معي سأكون في خطر دائم, وعندما تركت الصومال كان الدولار الأمريكي بـ 4000 شلن صومالي, أما اليوم فقد وصل إلى 20.000 شلن صومالي, ولم أكن أعرف بالضبط كم سعر الصرف, وعندما صرفت المبلغ, أنقصني الشاب لأنه أحس أنني لا أجيد اللغة, ولم ينتبه صاحبي لما حصل وأنا لم أسأل ولكن كانت هناك امرأة صومالية جالسة خلفي تماما, وكأن الله يريد أن يسهل لي الأمور لأنني كنت أحمل همّ النزول في فنادق والبحث عن الإخوة وقد جربت التليفونات ولم تكن تعمل, ولا أريد أن أتصل بشباب الاتحاد أبدا, وسمعت هذه المرأة تتكلم بصوت حاد مع الشاب الذي صرف لي النقود, وتبادلت معها الكلام وبدأ الناس يؤيدونها في كلامها, وهنا وبالقليل من الصومالية التي معي عرفت أنه ظلمني وأعطاني مبلغا أقل من اللازم وقد أجبر على أن يزيد لي, وقامت المرأة وأخذت الأموال وأعطتني وشكرتها كثيرا, ثم