عنوان فيه غرابة, وهذا ليس بالأمر الجديد فمسيرة المجاهد كلها مليئة بالمفاجئات والمغامرات والغرائب والعجائب والكرامات وأمور كثيرة, ولو أردنا أن نتكلم عنها لخاف بعضنا أن يقع في الرياء والعجب, ولكن من باب التحدث بالنعم أقول أن الله معنا وهذا ليس مدحا, فالله مع الصابرين, والله مع المتقين والله مع المحسنين, (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) , ونرجوا أن نكون منهم, لم يكن لدينا أي وسيلة نستطيع من خلالها معرفة الأخبار, فقد أخرجنا شرائح الاتصالات من الهواتف, وكان لديّ جوال (نوكيا) أعطاتني إياه زوجتي عندما كنا في الشجرة البحرية, كما حمل أبو وفاء جهازه, وقد أخرجنا البطاريات والشرائح لضمان الأمان, والتأكد بأن أحدا لا يستطيع متابعتنا أو الوصول إلينا عبر الأقمار الاصطناعية, لذا انقطعنا عن العالم الخارجي تماما, لا راديو, لا جرائد, لا هواتف, لا شيئ على الإطلاق, الكتاب الوحيد الذي يونسنا عندما نرتاح قليلا هو كتاب الله عز وجل, فقد حملت مصحفي وهو هدية من الأخ الشهيد فيصل علي رحمه الله الذي قتل عندما أراد الموساد إعتقاله وفجر قنبلته وقتل إثنين من الأمن الكيني وقتل شهيدا وقد ذكرت قصته بالتفصيل, لقد أهداني هذا المصحف المدني في ممباسا سنة 2003 م قبل استشهاده بأيام, ولم يفارقني بعد ذلك, لقد توقفنا في أول ليلة من مسيرتنا في منتصف الليل وأكلنا الخبز وشربنا بعض من الحليب والماء ونمنا قليلا, وقد أزعجتنا صوت الدبابات المتوجهة إلى الحدود لمحاصرة كيامبوني.
الإثنين 8 - 1 - 07 م, الساعة الرابعة فجرا, بدأت الطلائع الأولى من الطائرات الأمريكية الغازية وهي من نوع إي سي 30, بقصف قرية كيامبوني الآمنة وهدفها قتل متعمد لمدنيين عزل بحجة وجودنا فيها, فقد أسرعوا في إستجواب نساءنا وخلصوا إلى أننا فيها, وقد دمرت القرية تماما فهي مبينة بالكشة وأي قصف بسيط تكون كارثة إنسانية, إن هؤلاء يتعاملون مع هذه القرى وكأنها محصنة نوويا, ولكي يفعلوا ذلك يجب أن يروجوا الأكاذيب حولها, كما فعلوا عندما أرادوا قصف معسكرات خوست سنة 1998 م, فقد رسمت الصحف الأمريكية الرئيسية المعسكرات وكأنها مخابئ للاسلحة النووية وبالغوا في عمق الخنادق وذكروا أن فيها تكييف وهي عبارة عن مدن داخل الأرض وهذا كله لإعطاء مبرر, ولكي يتعاطف الرأي العام من جرائمهم, إن طريق البناء في كيامبوني تشبه قرى فيتنام وقد شهدنا ما فعله الطيران الأمريكي الإجرامي بتلك القرى, ولم تكن الغارة مقتصرة على كيامبوني فحسب, بل شملت كل المنطقة فقد هوجمت أفمدو وظن العدو أننا في تلك المنطقة, ثم سارعت البنتاغون والسي آي إيه وسلطات عبدالله يوسف بإخراج التقارير الكاذبة حول مقتلي لكي يغطوا على جرائمهم وكانت عائلتي بيدهم في تلك الليلة, أما نحن فكنا قد بدأنا مسيرتنا كما ذكرت, فقد استيقظنا الساعة الرابعة فجرا على صوت القصف وتحركات الدبابات كما ذكرت, وتيممنا وصلينا الإستخارة والوتر ثم تابعنا مسيرتنا في الطريق المؤدي إلى قرية (ماراني) , كنا في منتصف شهر ذي الحج وكان ظهور القمر دائما في الساعات الأخيرة من الليل, كنا مبسوطين ولدينا النشاط الكامل للمشي فأسرعنا في ذلك, وعندما بزغ الفجر لم يكن من مصلحتنا التحرك أثناء النهار, لذا وبعد أن مررنا بمزرعة صغيرة فيها كوخ صغير ظننا أنها قرية (ماراني) ولم تكن الصورة واضحة لدينا فابتعدنا لأكثر من 5 كيولومتر للاحتياط ووجدنا ماء مطر في وسط الطريق فتوضأنا وملأنا جالوننا سعة 3