إن مثل هذا التغير المفاجئ والمبهر (الدرامي) يُغري بالتشكك، لكنه لم يكن تشككًا بمعناه الحرفي، وربما أرجع شاتوبريان - الذي لم ينفصل الفيلسوف في شخصه أبدًا عن الشاعر - للحظة واحدة، عملية تحوّله من عدم الإيمان إلى الإيمان (بالمسيحية) التي رآها أولًا جميلة ثم رآها مفيدة خيِّرة، ثم - أخيرًا - اعتقد أنها - أي المسيحية - رغم أخطائها - تستحق التعاطف معها على المستوى الشخصي كما تستحق دعمها على المستوى العام (بين الناس) ، لقد تأثر في الأعوام الأخيرة من القرن الثامن عشر بخطابات وصلته من صديقه لويس دي فونتين de Fontanes يصف فيها التفسخ الأخلاقي والانحلال الخلقي الذي حاق بفرنسا، ورغبة الناس المتزايدة في العودة إلى كنائسهم وقُسسهم· وخَلُص فونتين إلى أن هذا التوق الشديد سيجبر الدولة في وقت قريب جدًا على العودة للعبادة الكاثوليكية·
وقرر شاتوبريان أن يكون هو الصوت المعبّر عن هذه الحركة (حركة العودة للكاثوليكية) فكتب دفاعًا عن المسيحية ليس من خلال المفاهيم العلمية والفلسفية وإنما من خلال الأخلاق والأدب والفن· لا جُناح إن كانت هذه القصص الفاتنة التي قصّوها علينا في شبابنا خرافات أكثر من كونها تاريخًا حقيقيًا· إنها أبهجتنا وأوحت لنا بالكثير، وجعلتنا إلى حد ما متآلفين مع الوصايا العشر التي قام عليها نظامنا الاجتماعي وبالتالي الحضارة المسيحية·
"أليست جريمة كبرى أن تنزع من الناس العقائد التي ساعدتهم في السيطرة على الفوضى الاجتماعية وتحمل الظلم والشر والمعاناة، والمصير المحتوم الذي لا مهرب منه - الموت؟"
وعلى هذا فإن شاتوبريان قد عبّر في مذكراته الأخيرة عن إيمانه وشكه في الوقت نفسه· إن روحي لا تميل للاعتقاد في شيء حتى في نفسي، وتميل إلى ازدراء كل شيء - الفخامة والعظمة والبؤس والشعوب والملوك،
"ومع هذا فإن روحي يهيمن عليها العقل الذي يطالبها بالتسليم بكل ما هو جميل: الدين والعدالة والإنسانية والمساواة والحرية والمجد"·