فهرس الكتاب

الصفحة 2504 من 15334

ولم تقف النتائج التي تمخضت عنها قيرونيا عند حد. فقد تحققت بها الوحدة التي عجزت عن تحقيقها بلاد اليونان من قبل، وإن كانت لم تتحقق إلا على ظبا سيف رجل يكاد أن يكون أجنبيًا عنها. وكانت الحرب البلوبونيزية قد أثبتت عجز أثينة عن تنظيم هلاس، وأثبتت الحوادث التي أعقبت هذه الحرب عجز إسبارطة عن هذا التنظيم، وعجزت طيبة عن بسط سيادتها على البلاد، وأنهكت حرب الجيوش والطبقات قوى دول المدائن، وتركتها ضعيفة عاجزة عن الدفاع عن نفسها. لهذا كان من حسن حظها أن تجد لها في هذه الظروف فاتحًا معقولًا يعرض عليها أن ينسحب من ميدان النصر ويترك للمغلوبين قسطًا كبيرًا من الحرية. والحق أن فليب ومن بعده الإسكندر كانا يحيطان استقلال الدول المتحالفة بحمايتهما ورقابتهما، حتى لا تضم إحدى هذه الدول غيرها إليها فيكون لها من القوة ما تستطيع به أن تحل بينها محل مقدونية. بيد أن فليب قد سلبها نوعًا غاليًا من الحرية - ونعني به حق الثورة. فقد كان محافظًا صريحًا، يرى أن استقرار الملكية حافز لا غنى عنه للإقدام والنشاط، ودعامة لا بد منها للحكم. ومن أجل هذا حمل المجمع المقدس في كورنثة على أن يضع بين مواد الحلف عهدًا يقطعه المتحالفون على ألا يُدخلوا في الدستور تغييرًا ما، وألا يبدلوا النظم الاجتماعية بحال من الأحوال، وألا يتورطوا في الانتقامات السياسية. وكان في كل ولاية يؤيد بنفوذه المدافعين عن الملكية، وقضى قضاءً تامًا على الضرائب الفادحة التي تبلغ درجة مصادرة الأملاك.

وكان قد أحكم وضع خططه كلها إلا ما يختص منها بزوجته أولمبياس Olympias، ولهذا فإن الذي قرر مصيره آخر الأمر لم يكن هو انتصاره في ميدان القتال، بل كان عجزه عن الانتصار على زوجته. ولم يكن يرهب منها أخلاقها وحِدَّة طباعها فحسب، بل كان يرهب فوق ذلك اشتراكها في الطقوس الديونيشية الهمجية. وقد وجد في ذات ليلة أفعى إلى جانبها في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت