عظيم الدهاء، ذا وجه طبع عليه جيلان من التاريخ. وقد وجد فيه تيشيان فرصة خيرًا مما وجده في ملامح الإمبراطور الخفية التي لا تفصح عن شيء من نفسيته. وواجه بولس في بولونيا عام 1535 في شجاعة ما وجده في صورة تيشيان له من واقعية. وكان البابا وقتئذ في السابعة والستين من عمره، متعبًا ولكن الأحداث لم تنل من قواه. وقد جلس أمام المصور في ثياب البابوية الفضفاضة، وأحنى رأسه الطويل، ولحيته العريضة، فوق جسمه الذي كان من قبل قويًا، وظهر خاتم السلطان واضحًا في يده الأرستقراطية. وهذه الصورة وصورة يوليوس الثاني تتنازعان تلك الميزة الكبرى وهي: أيهما أجمل وأعمق صورة في النهضة الإيطالية. وفي عام 1545 دعا البابا نيشيان وكان وقتئذ في الثامنة والستين من عمره إلى روما. وهيأ للفنان مسكن في بلدفير، وقدمت له المدينة جميع مظاهر التكريم؛ وعمل فاساري مرشدًا له فأطلعه على عجائب روما في عهدها القديم وفي عصر النهضة، وحتى ميكل أنجيلو نفسه رحب به، وأخفى عنه في ساعة من ساعات المجاملة رأيًا له عبر عنه لاصدقائه وهو أن تيشان كان يصبح مصورًا أعظم مما هو لو أنه تعلم الرسم (22) . وهناك صور تيشيان البابا بولس مرة أخرى فأظهره أكبر سنًا، وأكثر انحناء، وأشد قلقًا وضجرًا مما كان قبل، بين اثنين من أحفاده الخانعين لم يلبثا أن خرجا على البابا بعد قليل. وهذه الصورة أيضًا من أعمق الصور التي أخرجتها يد تيشيان. وقد رسم كذلك لأحد هذين الحفيدين وهو أتافيو فارنيزي Ottavio Farnese صورة دانائي Danae الشهوانية المحفوظة في متحف نابلي. وأقام تيشيان ثمانية أشهر في روما سافر بعدها عائدًا على مهل إلى البندقية عن طريق فلورنس (1546) ، وهو يرجو أن يقضي فيها الأيام الباقية من حياته في راحة وسلام.
ولكنه لم يكد يتم العام حتى أرسل إليه الإمبراطور دعوة عاجلة يطلب إليه فيها عبور جبال الألب إلى أوجزبرج Augsburg. وأقام في هذه المدينة