فلبست الجنز والفنيلة منذ خروجي من الشجرة, وكذلك أبو وفاء, دخل إلينا شيخ القرية (العمدة) وسلم علينا وأوضحنا له بمن نكون وأثناء الحديث رأى قدمي الأخ يوسف التنزاني وقد تأثر للمشهد فقد تمزقت تماما, لم تمر فترة طويلة حتى بدأ الجميع يتجمع حولنا في المسجد, ولم نسلم من الأسئلة, فهناك من سألنا عن الحرب في الصومال وكان الرد جاهز,"كيف نعرف حربا تجري بمئات الكيلومترات منا, نسأل الله أن يحفظ أهلنا في كينيا", لم نلفت أنظارهم حتى لا يفهموا أننا لا نريد التحدث بالأمر, ولم نتحدث عن الحدود لألا يفهموا أننا جئنا منها, بل ركزنا على أننا في كينيا والحرب في الصومال ونحن عابرو سبيل ولا معلومات لدينا بشأن الحرب, لذا بدأ العمدة الذي صبغ لحيته بالحنة بإخبارنا عن أوضاع الحرب,"في قرية تسمى كيامبوني قد دمرت من قبل الطائرات الأمريكية والحكومة الإيطالية احتجت لذلك", وأكد لنا أن هناك دول أخرى تدين التدخل الأمريكي وانتهاك سيادة بلد مسلم, وكلما فتحوا لنا موضوع عن كيونغا أو الحدود نسارع إلى فتح مواضيع أخرى, وقلنا لهم بأننا جائعون جدا, ويجب أن نأكل, فجزاهم الله خيرا ذهبوا ليجهزوا لنا بعض المأكولات, أثناء تجمعهم حولنا كان هناك شاب واضح من ملامحه أنه عسكري, وكان جالسا بجانبنا ويسمع لأجوبتنا وقد راقبت نظراته لنا, وفهمت أنه غير مرتاح للأجوبة, وكان يهز رأسه يمنة ويسرة, وهذا الشاب والده رجل مسن كان يجلس بالقرب من يوسف التنزاني ويتحدث معه عن أحوال القرية وقسواة المعيشة في مثل هذه القرى البعيدة عن المدن, فلا ماء صافي ولا كهرباء ولا مواصلات, وأكدوا لنا أنه لم تمر في القرية سيارة منذ 8 أشهر تقريبا, تراسلنا في الكلام مع أهل القرية وكسبنا ودهم بفضل الله, فنحن أولا وأخيرا يجب أن نحسن الظن بالناس, وعندما ذكرنا لهم قصة باصوبا ومحاولة أهلها التأكد من هويتنا, تدخل العمدة وقال,"إنني لا أبالي إن كان ضيوفي قطاع طرق أم صالحون, فالضيف هو الضيف", فضحكنا لهذه النكتة, ثم قام وخرج ليجهز بعض الطعام, وفي أثناء هذا الحديث كان هناك شخص فاتح اللون متوسط القامة ونحيف وفي الأربعيانت من عمره, كان يدور حول المسجد, لقد تحيرنا, من يكون هذا؟ , ثم جاء وجلس بالقرب منا, وبدأ يسألنا باللهجة السواحلية الأصيلة, ففهمنا مباشرة أنه ليس من أهل القرية, فلهجته توحي أنه من أهل لامو أو مالندي وأعني أنه باجوني وليس من قبيلة بوكومو, وعندما بدأنا بالتعرف قال,"إنني مدرس القرية والإمام فيها, وأنا من قرية (سي يو) في ولاية لامو", وعندما ذكر (سي يو) انتبهنا لذلك, فهي نفس القرية التي عشت فيها لأكثر من 6 أشهر قبل عمليات ضرب الصهاينة وكنت معلما للتجويد في احدى مدارسها, كما تزوجت فيها ومعروف جدا لدى أهلها, ولم أعرف عن هذا الشخص أبدا عندما عشت فيها, وكأن الرجل يريد أن يعبر عن شيئ, ولكننا لم نلفت أنظارنا لما يقوله, ثم تابع الكلام,"إسمي سيد, ومتزج من امرأة بوكومية, ولدي طفل في هذه القرية, وتابع كلامه في هذا الحوار,"
-كيف كان سفركم؟
-"لقد تعبنا كثيرا, لأن المسافة طويلة بين باصوبا وميليماني"
-نعم إنه كذلك, والعجيب أنكم لم تخافوا من الوحوش, فهي بكثرة في هذه الغابات,
-"لا, ليس كذلك, خفنا وقد نمنا بالليل لألا نفجأ"
-هل استخدمتم الطريق المستقيم أو التفرعات