فهرس الكتاب

الصفحة 1096 من 1375

وكلما وجدنا ماء غسلنا وجوهنا وتوضأنا وشربنا وبدلنا الماء القديم بالجديد, كان لدينا ثلاثة أشياء لحملها, وأثقلها هي الشنطة التي فيها سلاح البريتا, وكنا نتبادل بيننا في كل مرحلة وكان يوسف التنزاني يضحكنا كثيرا, فعندما يقترب الماء من الانتهاء من الجالون يطلب منا أن يحمل الجالون بدلا من الشنطة أو الملفوف وفيها الناموسية وبعض الأشياء الخفيفة, وكنا نضحك من ذكاءه فنحن نعلم أنه يريد الأخف, ولم نرد طلبه أبدا لأن قدميه تعبت, واصلنا السير صابرين وقد علمنا من قبل أن المسافة تقدر بمسيرة 8 ساعات بخطاة متواصلة ونحن طبعا كنا نمشى ببطئ شديد, استمرينا في المشي حتى قابلنا ثلاث رجال ومعهم دراجاتهم وهم صيادون جاءوا من بعيد ولم يكن لديهم شيئ, فسألناهم عن القرية وأخبرونا أنها قريبة, وتركناهم فهم متجهون إلى باصوبا أما نحن فبعكسهم, واستمرينا في السفر حتى زوال الشمس فدخلنا الغابة واسترحنا وفي العصر تحركنا من جديد وواصلنا السفر إلى أن عبرنا مستنقع كبير وفيه مياه كثيرة جدا, وقد استبشرنا لأن أهل قرية باصوبا قد قالوا لنا أن إشارة القرب من القرية هو تجاوزنا للمستنقع, ولكننا لم نرى شيئا حتى دخل الظلام تماما وفي الساعة العاشرة ليلا دخلنا الغابة من جديد وقد نمنا على تبة رملية عجيبة, لم تكن ليلة طبيعية, فلم نستطع النوم على التبة فكلما اضطجعنا نجد أنفسنا خارج الناموسية وكاد ظهورنا أن تنكسر من الألم والتعب والتمزق, لقد وضعت الشنطة في الجهة السفلية حيث رجلي لكي تساعدني على عدم الانزلاق ولكن دون جدوى فكنا ننزلق وأحيانا نضم أجسامنا كرقم ثمانية لألا ننزلق ولكن دون فائدة, كنا نائمين على تبة بدرجة 45, وعندما أصبحنا في الصباح رأينا العجائب, فيوسف كان في أسفل زاوية الناموسية وأبو وفاء لا نكد نعرف قدميه من رأسه, ضحكنا كثيرا لتلك الليلة, رغم أننا لا نملك الطعام وليس لدينا شيئ إلا أن قربنا لبعضنا, فكنا نشعر بالأنس ولم يكن طبعنا هو النوم مباشرة, فهناك قصص مقديشو وكيف كان الانسحاب والأخطاء التي ارتكبت وكيف نستطيع أن نصل إلى هدفنا بسلام, كنا دائما نتشاور لنجد الحلول الطيبة لسفرنا, ولم ننسى نساءنا وأطفالنا في أي لحظة, وكنا واثقين أن الله سينجيهم مهما كان الأمر فهن قد استخرناه قبل نزولهن للقرية.

في يوم الخميس 11 - 1 - 07 م, وهو تاريخ نقل العائلات من كيونغا إلى نيروبي, وبعد صلاة الفجر تحركنا بسرعة وقبل ظهور الضوء دخلنا في قرية (ميلماني) وبدأ أهلها بالخروج من المسجد وقد سررنا بصياح الديوك, وعرفنا مباشرة أن هذه القرية أكبر من كل القرى التي مررنا بها بسبب وجود بعض المدارس الحكومية, لذا يجب أن نكون حذرين, لم يكن رغبتنا هي الدخول إليها, ولكننا لا نملك أي طعام بتاتا ولا ندري المسافة المتبقية, فلا خيار لنا يجب أن نأكل من القرية قبل أي شيئ كما أن علينا تنظيف جرح الأخ يوسف التنزاني.

سلمنا على كل من قابلناه وأكدنا لهم أننا ضيوف وجئنا من قرية باصوبا وتركنا قصة الشاحنة العسكرية في الوراء وركزنا على قصة جديدة وهي أننا جئنا من القرى المجاورة فقط, وأول شيء سألناهم,"أين المسجد؟", وقد تفاءلوا بذلك, وكانوا حذرين منا, فكما قلت إن هناك حرب شرسة في الحدود, وقطاع الطرق يستغلون الأوضاع الأمنية لمهاجمة مثل هذه القرى النائية التي لا سلطة للحكومة فيها سوى الإسم والمدرسة فقط, فأرشدونا للمسجد ودخلنا إليه, ثم عملنا حلقة فيما بيننا ونزلت الحقيبة من على ظهري, كان يوسف التنزاني يلبس ثوب عماني أخضر وطاقية سواحلية, أما أنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت