فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وفي الغابة وكأننا ملوك بلا سلطة, لقد دخل الكثير من الشباب إلى كينيا عبر غريسا وبدون سلاح, وعندما نصل في بر الأمان سنجد أخبارهم وسأحاول أن أكتب ما حصل في الحدود لكل هؤلاء عندما ألتقي بعضا منهم إذا أخرجنا الله بسلام من الغابة ونجانا من التيه إن شاء الله.
وكما نفعل كل يوم خففنا عن بعضنا وقلنا لأنفسنا أن هذا اليوم هو آخر يوم لنا في الغابة إن شاء الله, فتحركنا بحماس في الثالثة بعد الظهر, تابعنا السير حتى أشار إليّ الإخوة بالتوقف, وكنت خلفهم, فتوقفت وحيناها سمعت طلقات نارية, وتبين لي أن الأخ يوسف يريد أن يصيد غزال, ولكنه قد أخطأه لأن المسافة أكثر من 40 مترا ولديه مسدس تي تي, وكان ذلك يحبطنا فلو امتلكنا السلاح الجيد مثل الكلاشنكوف لنفعنا كثيرا في مثل هذه الظروف, قلت له"لا تضيع طلقاتك, انسى الأمر واستمروا في المشي", وبسبب تتبعه للغزال فقدنا طريق الفيلة ودخلنا في متاهة عجيبة, ووجدنا فيها فاكهة كبيرة تأكله القردة وقد أعجبت الأخ يوسف وأخذ بعضها وبدأ بأكلها, وقد حذرناه من عواقب أفعاله ولكنه لم يبالي, كان يعاني من جرحه على قدمه وكذلك البواسير ولم يزل يتذوق كل ما يجده في الغابة, وعندما خرجنا من تلك المتاهة فقدنا طريق الفيلة تماما ولم يبقى لنا أي آثار لنتبعها في مسيرنا, وتخيل ما حصل بعد ذلك أيها القارئ الكريم, إنه أمر عجيب جدا فعندما يأسنا لفقداننا الطريق الوحيد الذي كنا نعرفه ظهر لنا طريق جديد ولكنه رسمي في هذه المرة, ليس مسار الفيلة أو الحيوانات بل طريق رسمي, نظرنا إلى بعضنا وتأكدنا من الطريق وبدأنا نقيسه لأنه غير واضح لكثرة الأعشاب عليه, وتبين لنا أنه طريق للسيارات ولكنه لم يستخدم لزمن طويل فالأشجار الواقعة عليه تقطعه في بعض الأحيان وكذلك المستقعات التي تفصله في بعض المراحل ولو غاصت أي سيارة في تلك المستنقعات لن تخرج إلا أن يشاء الله, قلت للإخوة,"إنه طريق سيارات ... ويعني هذا أن مؤسسة البراري الكينية قد استخدمته ولو في زمن قديم, يجب أن لا نخرج من هذا الطريق, حتى لو أدي بنا إلى غوانتنامو", فضحك الشباب من النكتة وفرحنا لأننا وجدنا مسارا نسير من خلاله ولا ندري إلى أين يؤدي بنا, إلا أننا أحسنا الظن بالله سبحانه وتعالى, تابعنا الطريق الجديد والمعلم بالكفارات واجتهدنا في تتبعه لألا نضيعه فبعض الأحيان تضيع التفاصيل بسبب المستنقعات ولكننا نعود إليه, لأنه طريق مستقيم كالطرق الجيولوجية, فرحنا كثير في ذلك اليوم وتابعنا السير وقبل المغرب بقليل مررنا بعظام جاموس وحشي, أو فيل أو أي حيوان من حيوانات الغابة الله أعلم بها, لقد أُكل لحمه كلها بتفنن ولم يبقى إلا العظام, وفضلات المعدة, وقلت للإخوة يجب أن نبحث في العظام ربما نجد بعض اللحم, وفتشنا ولم نجد شيئا, ولم أستسلم بل أخذت عظاما من الأضلع وسحبت بعض الجلد الملصق فيه, ونظفته بيدي وبدأت أمضغه كاللبان وقد تعجب يوسف مني, فقلت"يجب أن نأكل عظام الميتة مادام لم نجد لحمه, فهذا حلال علينا لأننا في حالة المضطر", وأخذت العظام معي, وكالعادة قال لي يوسف,"أنا لا أحبه لا أريده", وطبعا عرفت أنه متحمس بسبب أننا وجدنا طريقا سهلا نسير فيه, ولكنه في الحقيقة سيأكله عندما نتوقف للراحة فأنا أعرفه جيدا, سرنا في الطريق المستقيم وكانت أشجار (الماكوما) منتشرة في كل النواحي في ميمنة الطريق وميسرته, وبدأ يوسف يحرضني في تسلقها لكي أجلب البعض منها, وكنت أعتذر منه لأنها طويلة وأنا أكاد أقع من ثقل المسدس والقنابل التي معي, فليس لدى القوة لأتسلق مثل هذه الأشجار, تابعنا السير