تحركت السيارة ودعونا الله أن يوصلنا بسلام دون مشاكل, والآن ومادمنا داخل الباص سأتحدث عن الخطة التي وضعناها لمواجهة أي طارئ, فقد اتفقنا أن لا ينزل أحدنا من السيارة إن كشف عن هويته بل يبقى فيها وسنجبر السائق على مواصلة السير بالضابط الذي دخل أو كشف عن أحدنا, ونتحرك بها إلى حيث الأمان, ونحن نعلم جيدا الغابات فقد كنا فيها وسننزل في أي مكان آمن ونترك السائق والركاب في حالهم, أما إذا تجرأ أي رجل أمن وغيره في مواجهتنا بالسلاح فسنقتله بلا تردد وعلى الفور, كان خيار إظهار الهوية في المرتبة الأولى, فأنا أحمل هويتي الكينية وكذلك يوسف أما لأخ أبو وفاء فلا يحتاج إلى هوية فهو كيني بالفطرة ولن يشك أحد أنه كذلك, وإن لم تنفع الهويات فالمسدسات جاهزة للتعريف عن أنفسنا, جلست أنا ويوسف في كرسي واحد وجلس أبو وفاء خلفنا وعلى الميسرة وعلى بعد صف واحد. تحركنا بسلام وأثناء السفر كنا نرى تلك الغابة العجيبة التي عشنا فيها ليالي آمنين, لقد مررنا بالنقطة التي خرجنا منها للعالم وهي نقطة مكلومبي وقد نظرنا لبعضنا فرحة, ولو طُلب من أحدنا أن يرجع إلى التيه ويبدأ من الصفر ويكون حوله الكاميرات ومائدة من الأطعمة المفروشة من البداية إلى النهاية دون أن يتوفر له الماء, لما قبل ذلك, إذ أن المياه هي الحياة بأكملها, لا أظن أن أي جندي متمسر يقبل أن يدخل في الامتحان الذي مررنا به, والحمدلله على منه وكرمه, ومررنا كذلك بكل النقاط العسكرية بسلام ولم يدخل أي ضابط في الداخل وكانت أصعبها نقطة قرية (ويتو) , فهي الأكثر خطورة وهذه القرية قد ذكرتها كثيرا لأن الأخ الأسير محمد عودة الفلسطيني متزوج منها وكنت أتردد إليها في التسعينات, وعندما وقفت السيارة فيها نظرت من الشباك فإذا هي صوري وصور يوسف التنزاني معلقة في مدخل قسم الأمن, نظرت إلى صوري وخلعت قبعتي لكي أقارن تشبهي بها وضحكت في نفسي ولم أخبر يوسف بالأمر لألا أقلقه فقد كان يستمتع بأكل اللب, بعد فترة وجيزة تحركنا منها ولم يتجرأ أحد في أي نقطة من الدخول إلينا وهذا من فضل الله علينا, واصلت السيارة سفرها إلى غارسين وفيها تبدأ الطريق المزفلت وفيها نقطة عسكرية كبيرة, كما أن في تلك النقطة يتفرع الطريق فيمكن للراكب أن يتجه إلى غريسا أو لامو أو مالندي, لم نجد صعوبات كثيرة فيها فقد كان الجميع مشغول بالفيضانات التي ضربت المنطقة وتحركنا بفضل الله ولم نتوقف لأحد بعد ذلك حتى وصلنا ممباسا بسلام ولم نكد نصدق أننا فيها فكلما تذكرنا الغابة ومشاكلها شكرنا الله الذي أوصلنا إلى ممباسا بسلام والحمد الله أولا وأخيرا, وفور وصولنا نزل كل واحد منا في محطة و ذهب في حاله دون أن يخبر أخاه باتجاهه حتى لا يكون هناك وسوسة أمنية إذا اعتقل أحدنا ولم نتفق على أي وسيلة اتصال, فقد شرحت للشباب أن هذا أفضل طريقة لمن يريد أن يختفي في المدن وهو قطع الاتصال تماما, يجب أن نسكن ونرتاح قليلا قبل بدأ أي نشاط, وبهذه الطريقة نكون في آمان فلو اعتقل أحدنا فلن يعرف أبدا بمكان أخيه, واتفقنا أن نعبر الحدود إلى الصومال وكل واحد بطريقته, والحمد الله على السلامة, وعندما وصلت إليها بسلام بدأت بكتابة هذه الصفحات وأنا في آمان تام والحمدلله.