ورغم أن تلك المعارك قد انتهت إلا أن الجرح كان ينزف, وكان أخي القائد الأفغاني يطلب منى الاختفاء قدر المستطاع وعدم الظهور في هذه المناطق المعقدة, ولما وصلنا للقرية الحدودية, دخلنا في مطعم أفغاني صغير, عبارة عن غرفة طينية طويلة مجهزة بنظام تدفئة مركزية تقليدية, فهناك خندق طويل على طول المطعم ثم حفرة رئيسية يتم اشعال النار فيها لتتحرك اللهب والدخان والحرارة إلى التفرعات التي شقت من الخندق الرئيسي فيعطي ذلك دفئا معقولا للمطعم.
وكنا في فصل الشتاء والثلج في كل مكان فقد سعدنا بتلك المطعم الصغير والبسيط, أما الطعام فهو معروف فإما اللحم أو البقوليات والخبز الأفغاني الشهي, المعمول بالتنور, أما الأهم في الأمر فهو الشاي الأفغاني الأخضر, فشرب الشاي بعد الوجبة من عادة الأفغان, أما في هذه المناطق فلا يستخدم السكر أبدا في الشاي, فهم يستخدمون قطع مجففة من عصير قصب السكر, فبعد تجفيفها تعمل بشكل كور صغيرة لتأكل أثناء شرب الشاي وتسمى بالبوشتو (غورا) , أما أثناء الطعام فيفرش الصفرة الطويلة على طول المطعم ويقدم الطعام حسب الطلب, أما بالنسبة للنوم فيكون في نفس المكان بعد رفع الصفرة ويتم توزيع البطانيات الصوفية المصنوعة محليا للنزلاء, والماء الساخن متوفر في كثير من الأحيان, أما الخلاء فحدث ولا حرج, فبالنسبة لي فقد كان عذاب حقيقي, وكما تعلمون فإنني لم أكن يوما من الأيام من البادية ولكن لم أكن أجد صعوبة في الذهاب إلى المناطق الخالية وبعيدا عن الناس لقضاء الحاجة ولكن عندما أكون داخل مطعم والوقت ليلا ولا أعرف أي شيء عن المنطقة فيجب استخدام الخلاء الأفغاني, وهي عبارة عن حفرة مستقلة عن حفرة البول, فلا يمكن التبول فيها بل الحاجة الكبيرة فقط, أما البول فيكون في ناحية أخرى, والخطير أنه لا يمكن استخدام الماء للاستنجاء في الخلاء الأفغاني لأنهم وللأسف يستخدمون الفضلات الإنسانية في الزراعة فهم يقصدون بفعلهم أن تبقى تلك الفضلات جافة تماما لانتظار الموسم, فيجب استخدام الحجارة أو الورق ثم بعد ذلك يقوم ليذهب في أي وادي أو مجرى أو أي مكان آخر لينظف ويستنجي بالماء وهذه كلها أمور معقدة بالنسبة لي ولأي واحد متمدن قليلا, أما بالنسبة للأفغان فالأمر سهل جدا لديهم فهم يبولون في أي مكان ويستخدمون التراب للاستنجاء أو الحصى أو الحجارة ثم بعد ذلك وقبل الصلاة يبحثون عن الماء ويتطهرون قبل الوضوء, أعني أن هناك تساهل قليلا في الطهارة, ولأنني شافعي فمذهبنا متشدد جدا في الطهارة, وكنت أجد صعوبة شديدة عندما يتعلق الأمر بالذهاب إلى الخلاء الأفغاني, فلو سألتني عن الاختيار بين الخلاء الأفغاني التقليدي أو قضاء الحاجة في العراء فسوف أختار الثاني, أما الاستنجاء فهو من الدين ولكن بدقة والتأكد من عدم وجود أي علامة للنجاسة في الحجارة وغيرها, وطبعا هناك البيوت المتطورة والحديثة في المدن الأفغانية في قندهار وكابل وجلال آباد وغيرها وهي متمدنة جدا وفيها الحمامات العصرية والجميلة أما بالنسبة للقرى فالخلاء تقليدي, ولم يكن أمامي سوى الخروج ومقارعة الثلج والحمد لله قضيت حاجتي خارج المطعم, وبعد أن صلينا أكلنا طعام العشاء ثم خلدنا إلى النوم, وفور انتهاءنا من صلاة الفجر ركبنا سيارة أجرة هيلكس