فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 1375

ووضعنا راحلتنا ونحرنا جملا لإرجاع بعض السوائل, وتمكنا من الاستراحة ليوم واحد حيث نمنا هناك إلى اليوم الثاني, وكان يوم مشهود ولم نكن متعودين على أكل لحم الإبل ولكن الطبيعة والظروف علمتنا كل شيء, والعجيب أن الصوماليين يفضلون أكل لحومها وهي نصف ناضج وكنا نجد صعوبة في المضغ ويكثر هنا النكت من قبل الشباب, فأخونا عبد السلام الراحلي كان ينكت مع المصرين, ويقول لهم"أعطيني قليلا لأتأكد هل جاهزة أم لا؟"يقصد قطعة اللحم, وكنا نموت من الضحك, فهو لا يريد أن يتأكد بل يريد أكلها.

أثناء الرحلة لم نر سوى قريتين فقط, وهي عبارة عن عشش من القش ولا أثر لأي تمدن البتة, القرية الأولى تسمى قرية الملح في وادي الملح"غود عسبو"ولما وصلنا للوادي لأول مرة فرحنا جدا لأن المياه جذبتنا بقوة جريانها وبياضها ثم تبين لنا أنها مالحة أشد من البحر, سبحان خالق السموات والأرض, من المعروف أن الأوجادين لا بحر فيها ولكن الله يفعل ما يشاء, وسط الصحراء مياه مالحة تجري كالأنهار إنه من معجزات الله في الخلق, {إن في خلق السموات والأرض لآيات لأولي الألباب} , أما اصحاب الوادي يستغلونه لتصنيع الملح, وعندما اقتربنا من القرية كانت هناك سيارة لاند روفر للجيش ولما سمعوا بقدومنا هربت من القرية, لأن البدو كانوا ينقلون الأخبار بسرعة البرق وهم في نقل الأخبار أسرع من الانترنت, أما القرية الثانية فهي قرية"آباقرو"التي تحاذي وادي شبيلى من أشهر الأنهار في الصومال, والقرية الصغيرة تقع بين مدينة إيمي وعاصمة الأوجادين غُودي, وكان من الواجب أن نقطع النهر في الأوقات التي تنخفض المياه, وعندما وصلنا القرية تمكنتُ من دخولها لوحدي دون الشباب العرب بسبب بشرتي وقربي للون الصومالي, واشترينا في سوقها بعض السكر والمعكرونة وهي الطعام الأساسي للصوماليين, وبعض الخضروات مثل البندورة الصغيرة واشتريت بسكويت أبو ولد اليمني, وكنت أشعر بأنني دخلت إلى متجر خمسة نجوم رغم أن السوق عبارة عن عشش, ولا يوجد في السوق شيء سوى ما ذكرت, واشترينا من ضفة النهر بعض السمك الحلو, وعبرنا عن طريق حبل قوي مربوط بشجرة من كلا طرفي النهر, لأن التيار قوي جدا, ولم يكن الجيش التيجراوي متواجد في القرية فهم يتمركزون في المدن فقط ولديهم دوريات منتظمة, وتبعد قرية آباقرو 90 كم عن المعسكر المجهول في منطقة كاَرِيشِيْغوت, وبعد يومين وصلنا إلى المعسكر, وقد مرت علينا أربع وعشرين يوما من رمضان المبارك.

عندما وصلنا وجدنا الشيخ عبد السلام أمير الأوجادينيين ومعه مجموعة كبيرة من الشباب في منطقة سهلة وقريبا من البئر, ولم تكن اختيار تلك المنطقة اختيارا عسكريا فلم تكن محمية من أي شيء, سوى بعض أشجار الشوك, وليس هناك أي بناء غير المسجد الذي بني من جذوع أشجار الشوك ووضع الأفرع كسقف, أما لو أمطرت فلا مجال إلا الصبر والتحمل المطر فليس هناك ملجأ ولا منجا إلا من الله, وقبلنا بالوضع الراهن وصمنا الستة الباقية من رمضان المبارك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت