السيول ووجدنا الوادي جاف تماما وكان من عادتنا إذا اقتربنا من الابار أن نشرب ما عندنا من الاحتياط في الزمزميات, وبعد أن شربنا تبين لنا أنه لا أثر للماء في المنطقة, وهكذا لم نرح الراحلة, أعني لم ننزل الأغراض من على الجمال, بل تقدمنا للأمام على أمل أن نجد بئر آخر قريب, وزالت الشمس وبدأنا نشعر بالضعف والتعب فقد كنا في صحراء قاحلة لا يوجد فيها أي أثر للحياة, ولم نكن نملك سوى مياه العلاج (الجلوكوز) وبعض المياه على الجمال, واستمرينا في الرحلة حتى غربت الشمس عنا ولم نصل إلى أي بئر, ولم نجد أي أثر للماء, وبدأنا ننكت على بعضنا ونصبر أنفسنا بأحلام وقصص من الخيال, وكما تعلمون فإن الشباب المصري يجيد الفكاهة ولا تفوته الفرص حتى في الشدائد, وبدأوا ينكتون, كان معنا أخ دليل اسمه علي, فكلما سئل عن البئر يجيب بكلمة"أفر ساعة"يعني بعد أربعة ساعات ويشير بأصبع السبابة للأمام ليجعلك تصدق أن البئر قريب جدا, وهكذا كنا نفرح لأننا في خلال أربع ساعات سنجد الماء, ولكن من الصباح إلى بعد صلاة العشاء ونحن نمشى, لا أربع ساعات ولا أي منطقة قريبة, فكنا نضحك كثيرا وننكت, والشباب يسألونه"يا علي أين البئر؟"ثم يجيبون أنفسهم عن السؤال"أفر ساعة", وفعلا لقد تعبنا ذلك اليوم ولكن كان يوم النكت, وكنت أستغرب كيف استطاع صحابة محمد صلى الله عليه وسلم قطع الصحراء إلى الحبشة ثم قطعها إلى المدينة المنورة بأحلك الظروف, وهذا الأخ الصومالي سمي بعد الرحلة"علي أفر ساعة"وقد استشهد رحمه الله وتقبله من الشهداء آمين, وبعد الساعة التاسعة ليلا وأثناء السير في الظلام وبلا وجود أثر للماء, وفجأة وقع الأخ عبد الصبور الصعيدي, وهكذا سمي بيوم عبد الصبور, ولا أخفي أننا حزننا لوقوعه ولكننا في نفس الوقت وجدنا سببا للاستراحة فقد كنا منهكين ولم نكن مستعدين للمشي من جديد وهكذا تمت الاستراحة وبدون فك الجمال, وأذكر بأن الدكتور حمدي أحضر لنا جالون ماء من ثلاث لتر, وتخيل يا أخي كيف شربناه, أولا يأخذ أحدنا نفس عميق وعميق جدا ثم نشرب قليل من الماء قدر غطاء الجالون فقط, تخيل ذلك يا أخي وكنا نتذكر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء رحلة تبوك وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء هجرته وليس هناك جهاد بدون جهد وتعب.
نمنا قليلا ثم بدأنا بالرحلة في الساعة الثالثة صباحا قبل الفجر بفترة, وسرنا إلى أن دخل وقت صلاة الفجر وأثناء الاستراحة والتجهيز للصلاة, غفوت وشعرت بالنعاس وفي هذه اللحظات القصيرة العجيبة أكرمني الله فقد رأيت في المنام وجوها طيبا تقدم لي مياه كثيرة وأخذت منهم وبدأت أشرب حتى رويت ثم فقت من نومي لأجد بطني ممتلئة فعلا ويذهب عني الظمأ ولم اخبر أحد بما رأيته إلا الأخ الأمير, فقد استبشر كثيرا وأخبرني بأنه رزق سيق إليّ, وقمت نشيطا وبعد الصلاة تحركنا إلى البئر المزعوم وقال لنا الأخ علي كعادته أنه بعد أربع ساعات سنكون هناك واستبشرنا, واجتهدنا في السير وفي الساعة العاشرة تماما كنا قد وصلنا إلى الوادي الجديد وبدأنا نبحث عن أي أثر للبئر والعين الجديد, والحمد لله فقد وجدنا عين واحد فقط والحمد لله وبالكاد أن نخرج منه قدر كأس من الماء كل بضع دقائق, واستبشرنا ونظفنا البئر