فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 1375

الصوماليين, إنه من حكماء الإخوة, ومن مؤسسي المنطقة.

تحركت أنا وزكريا التونسي, أبو يوسف المغربي وأبو عمير الباكستاني ومعنا الكابتن الصومالي والإخوة البحارة, أبو دجانة, أحمد صغير, وأخونا عرب, وكان من عادة الكابتن أن يتحرك بالقارب قبل الرحلة لمدينة كييونغا الحدودية المجاورة ليأخذ إذنا بالدخول, لأنها كانت خارجة المياه الكينية في رحلة صيد للسمك, وكانت السلطات الكينية تعرف ذلك, وبعدها بدأنا نسير في أوساط الموجات العالية للمحيط الهندي. والذي يسافر في البحر يتذكر قدرة الله على الخلق ويتعجب من سلطنة البحر, إنها مملكة لوحدها ولا أحد يستطيع التحكم فيها, كنا مبسوطين ونقرأ القرآن ونرمي الصنارات للصيد, وفي هذا اليوم صدنا سمك طونة كبيرة وقد فرحنا لأننا عندما سنتوقف بعد المغرب في احدى الجزر المعزولة سنأكلها, قد شعر الشباب بارتياح كبير للسفر, ودخل المغرب علينا ونحن لم نصل بعد للباب الكبير, وهذا الباب يفصل بين المحيط الهندي ومجموعة جزر باتي وماندا في ولاية لامو الساحلية, وعندما نعبره فسندخل في المياه الهادئة, لا موجات ولا تعب بعد ذلك, وبدأ الظلام يسود شيئا فشيئا, وعندما اقتربنا من الباب اصبحت الموجات كبيرة جدا فكلما نقترب من المدخل تكثر الموجات الآتية من المحيط, وتجتمع عند الباب, وعلى الكابتن أن يواجه الموجات ليتمكن من اختراق الباب, بدأنا نقلق من حجمها والجميع في حذر وأخبرت الشباب بأن يلبسوا سترات النجاة لأنها كبيرة جدا ومخيفة لحدما, وهكذا حاولنا دخول الباب بكل قوة ولكن قوة المياه والموجات كانت لنا بالمرصاد, وحدث شيء مريع فنظرت للخلف ورأيت موجة قادمة وهي مثل الجبل وأكبر بكثير من القارب أدركت وقتها أنه حان وقت الفراق وأن الموت قادم لا محال والأجل قريب جدا, وصرخت بأعلى صوتي"موجة كبيرة""أقفز", وكان في بالي أمرين إما أن أقفز ثم إذا لم ينقلب القارب فسوف يرجع الشباب لأخذي وإما أن ندفن مع القارب في قعر المحيط ونغرق كلنا, وهكذا وجدت نفسي أقفز بكل قوى خارج القارب لأني شعرت أننا سنغرق بلا ريب, ارتفعت تلك الموجة إلى أعلى مستوياتها وماذا بعد! ضربتنا من الخلف وطارت السفينة مثل لعبة الأطفال في الأعلى والكل يكبر ويهلل, ثم ساد صمت رهيب جدا جدا, فنحن الآن في ظلمات البحر والقارب اختفى في قعر البحر بقوة الموجة وساد الهدوء ولا يُسمع إلا ضجيج المياه, أما الظلام فحدث ولا حرج فقد صدق الله عندما ضرب المثل وقال سبحانه: {أو كظلمات في بحر لجّيّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض} , كنا في حالة عجيبة جدا, وبعد قليل ظهر القارب بالمقلوب, وبدأت أنادي بأعلى صوتي"يازكريا! أبو عمير! أبو يوسف! يا شباب, وأخونا الكابتن ظهر بعد ذلك ثم ظهر أبو يوسف, والإخوة البحارة, أما زكريا فقد تأخر قليلا بسبب حجزه في غرفة المكينة تحت المياه, وأبو عمير كاد أن يختنق فكلما حاول الخروج من القارب تعيده المياه إلى الأسفل, كان هناك حبل يعيقه, ولم يدم هذه المسألة سوى دقائق وبسرعة, وعرفت أنها من سلسلة الابتلاءات التي نواجهها في ساحات الجهاد, والحمد لله, وظهر الشباب"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت