أمسك نفسي فذهبت للمرأة لأطلب منها أن تبيع لي وملئتُ زمزميتي كلها وعندما أردت دفع الثمن, قالت لي بأنها مجانية وصدقة للمجاهدين, لقد فرحت جدا عندما علمت أن عوام الناس أمثال هؤلاء النسوة يساندوننا, إننا والله ننصر بهؤلاء ولا يجب أن نكون سببا في معانتهم أبدا, ولأنني بشر لا يعلم الغيب فلم أتخيل ما سيحصل بعد فترة وجيزة, وكنت قد تحدثت مع حبيبتي والشباب وأخبرت الجميع أنني راجع إلى مقديشو, كانت هناك إتصالات كثيرة تأتي من العاصمة ولم نستطع الرد على جميع الاتصالات بسبب الوضع وكان الأخ عبدالرحمان الكيني هو من يتولى الإجابة على تلك الاتصالات, وفي احدى المكالمات أكد لي الأخ عبد الجبار بأن الأخ أحد اليمني قد وصل من غلكيعو ومعه الشباب اليمينين الفارين من السجن عبر النفق, وكنا ننتظرهم بأحر من جمر لاستقبالهم, وقد تعرضوا للحرب في الشمال ودخلوا المعارك في غلكعيو ولكن الله سلمهم ووصلوا إلى مقديشو, وقلت للأخ عبدالجبار بأن يكرمهم ويصبرهم حتى أرجع بسلام إن شاء الله.
خرجنا من مستشفى دينصور قاصدين مقديشو ولكن كان القدر ينادينا لمكان آخر, فقد رأيت النساء والشيوخ والناس مفزوعين يهربون من منازلهم ويجرون من هنا وهناك ويصيحون"بدأت الحرب", تعجبت سألت الأخ عبدالله ماذا يحصل؟ , فأكد لي أنه الفزع الصومالي فهم يفزعون لمجرد سماع الطلقات وقد تعودوا عليها من 16 سنة, ولكن في بداية أي معركة تحصل مثل هذه البلبلة, فالرصاص تفزع الصوماليين وعند سماعها لا يسيطرون على أنفسهم فيصيحون ويجرون ويجعلون الأمر وكأنها القيامة الكبرى ومن هنا يبدأ الارتبكار, عندما مرت سيارتنا بجمع من الناس, ابتسمت في وجوههم وكبرت الله لأخفف عنهم, لقد ظهر الهلع في وجوه الجميع وهذا من حقهم فالحرب لا تأتي إلا بالمصائب, كانوا يصيحون في الإخوة"إثيوبيا تتقدم إلى دينصور وهناك دبابات تتقدم إلي المدينة", تعجبت من هذا الكلام وسألت نفسي كيف تتقدم دبابات العدو إلى دينصور بهذه السهولة وقد اتفقنا في الصباح أن تقوم المجموعات بحفر الخنادق وزرع الألغام وأكد لي الأخ عيسى الكيني عندما طلبت منه ترك فرقتي لمساندته بأن الأوضاع تحت السيطرة إن شاء الله ولا يحتاج إلى شبابنا, وها نحن الآن ولم نخرج من المدينة نسمع بأن القوات الإثيوبية تتقدم, وطبعا كانت الهلع والفزع في كل ركن من دينصور,"يا سبحان الله", وبدأ قلبي بالاطمئنان وهذا فضل من الله, فقد حان وقت الابتلاء ووقت الثبات, إنني أعلم أنني مكلف بالعمليات الأمنية فقط ولكن عندما سمعت أن العدو على مشارف مدينة دينصور بدأت أقرأ لآية الكريمة, (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار) , ورغم قلة علمي الشرعي فقد عرفت أن الجهاد أصبح فرض عين على كل مسلم داخل دينصور فهناك قوات صليبية ستغزو المدينة وتبيدها وتؤذي من فيها, سألت نفس ماذا أفعل الآن؟ هل أذهب لزوجتي وأولادي وأترك أخي عسي في محتنه لوحده؟ هل أتقدم للخط الأول وأُجابه العدو ونلقى محمد صلى الله عليه وسلم والأحبة؟ , كانت الأسئلة كثيرة والشباب ينتظرون مني أي إشارة, فقلت لعبدالله إيل جي"تابع السير إلى مركز الشرطة", وهناك التقيت بالأخ حسين سألته عن الأوضاع فقال"قوات التيغري تتقدم الآن اتجاه المدنية وعيسى والشباب يواجهونها", فقلت للأخ قتيبة وهو وزير الداخلية بأن الجهاد فرض عين علينا جيمعا لا ينبغي أن نرجع إلى مقديشو بهذه الظروف إلا من يطلب منه ذلك لترتيب إنسحاب أو متحرفا لقتال أو متحيزة إلى فئة كما قال الله تعالى,