البدو والتحرك بأرجلهم لمسافات طويلة دون مشكلة فهم بدو, ولكن كان جوابه واضحا"شكرا خذ فرقتك وارجع معها إلى مقديشو", وكررت الطلب وقلت له بأن هؤلاء الشباب سيرجعون إلى كيسمايو عن طريق بؤالي أما أنا فسأنزل إلى مقديشو لوحدي نظرا للأوضاع ولكنه شكرني وقال بأنه لا يحتاج إليهم, وتعجبت من ردّ فعله وعدم إستجابته لطلبي وسألت نفسي كيف يعقل أن الأخ عيسى لا يحتاج إلى صومالين من أهل البلد مع أن الجهاد فرض عين عليهم حتى دون إذنه, وفي نفس الوقت يحتاج إلى شباب مهاجرين من أوروربا لم يتدربوا من قبل ولم يتقنوا فن القتال؟ , إنها فلسفة جهاد آخر الزمان, أو ما يسمى جهاد دوت كوم حيث يكون التركيز على الشهادة فقط, لذا إذا أسر الأخ أو جرح لا يستطيع أن يتعامل مع الوضع إلا بصعوبة بالغة جدا وسوف نرى بأن البناء الذي لم يبنى على أسس متين يسهل عليه الانهيار السريع, كنت أخشى أن يستثمر أمر نزولي إلى مقديشو في نشر الإشاعات أنني تركت الجبهة في الأوقات العصيبة, كنت أعلم أن هناك من ينتظر مني أي هفوة كي يسعى إلى نشر الإشاعات, لذا كررت الطلب لكي يبقى شباب الإستخبارات في الجبهة ولكن الرد كان بالنفي, لم أجادله كثيرا بل سلمت عليه وودعته ونصحته وهو من الإخوة الذين يحبونني كثيرا والخلاف في الآراء لا يلغي تلك المحبة أبدا إن شاء الله, سلمت عليه بحرارة فربما لن نرى بعضنا فنحن في حرب, ونزلت إلى مدينة دينصور وبدأنا بتجهيز أنفسنا للسفر إلى مقديشو وقد اتصلت بزوجتي وأخبرتها أنني سأكون عندها ليلة الثلاثاء إن شاء الله.
كان ذلك اليوم هو الإثنين 25 - 12 - 2006 م, وأذكر الحالة التي كانت تسود مدينة دينصور فهي حالة الترقب وبدأت الإشاعات الصومالية تنشر في المدينة وتتحدث أن الإثيوبين سيهاجمون قريبا وطبعا هذه الاشاعات أدت إلى نشر الفوضى في كل مكان, ولكي لا نؤخذ في حين غفلة تمكن الشباب وبفضل الله من ترحيل جميع الجرحى وإخراجهم من دينصور إلى مقديشو بالسيارات السرف التيوتا, وكانوا يخلعون الكراسي لفسح المجال للجريح ثم تفتح المكيفات لكي ينعم الجريح بنوم هادئ أثناء السفر الطويل في طرق وعرة وغير معبد أبدا وكان الطريق المتفق عليه هو طريق دينصور-بورهكبا-مقديشو, عندما استفسرت عن المهاجرين علمت أن بعضهم قد جلب حقائبهم للخطوط الأمامية وبعضهم حملوا أوراقهم والآخر تركها في كيسمايو أو مقديشو, ولا أدري كيف سينظم هذه الفوضى العارمة, دخل وقت العصر ولم نتحرك بعد بسبب انتظارنا لاحدى السيارات التي ستحمل الجرحى, وقد أكلت بعض الأرز مع الأخ حسين مسؤول دينصور, وتحركنا بسيارتنا إلى المستشفى لمعرفة سبب تأخر أولئك الشباب, واتفقت مع الأخ عبدالله إيل جي بأن ينزل معي إلى مقديشو وبعد أن تستقر الأوضاع سننزل كلنا من جديد إلى كيسمايو لاتمام دورة الاستخبارات إن شاء الله, ولم نكن نعلم ما يخفيه الله لنا, ولا يعلم الغيب إلا الله. كانت الساعة تشير إلى الخامسة مساءا وكنت في مستشفى دينصور, وفي المدخل إمرءة صومالية مسلمة جالسة ومعها إناء كبير مليئ"بالزريغ"باللهجة الموريتانية أو ما يعرف بالأوردو"للاسّي"والبوشتو"شيرومبي", وهو اللبن المخفف بالماء البارد ومملح قليلا ويسميه الصوماليين"السوسا", ويعطي طاقة جيدة عندما يشربه الإنسان, وأنا أحب مثل هذه المشروبات كثيرا وبالذات في الصيف, وهي تذكرني بأيام قندرها عندما يصل درجة الحرارة إلى الخمسين فنلجأ إلى العرائش ونبدأ بأكل البطيخ وشرب السوسا, لم