أعود للجبهة وبعيدا عن الخلافات فقد كان مركز الفتح أكثر أمنا وشعبيا, وكل هذه المراكز بدءً من بدر الكبرى والصغرى والفارم دو كلها مبنية بالإسمنت المسلح وتحصيناتها جيدا وكانت بيوت مخصصة للمهندسين الزراعيين, ومكثنا في الفتح لمدة يومين قبل تمكننا من الذهاب إلى الخط الأمامي لمجابهة العدو في عمليات شبه روتينية وهي الحراسة والترصد ورمي بالمدافع الثقيلة والقنص وجمع المعلومات لمواقع العدو الأمامية ورصد لمدينة جلال آباد ومطارها, وانحصرت هذه المواقع في سلسلة جبلية سميت بجبل قباء من قبل المجاهدين العرب بقيادة الشيخ أسامة وأسست عندما طرد العدو وأجبر على الانسحاب في سلسلة معارك الانحياز, فهناك جبل هريرة في الميمنة وخط الحزب الإسلامي في الوسط وجبل قباء في الميسرة وخط جليبيب في الأسفل وخط الهاون تحت الجسر وكلها تتحكم في الطريق الرئيسي المؤدي إلى جلال آباد من طرخم وبعيدا عن خط قباء هناك خط آخر يسمى كترغاي ويكثر فيه البنجابيين, أما نحن فقد نزلنا في خط الهاون وأميره الأخ أبو همام الصعيدي وحرسنا فيه لمدة يوم وليلة ثم تحركنا لخط هريرة في أعلى الجبل لنتمكن من رؤية العدو عينا بعين, وكنا نحرس بحذر شديد ونرمي بالقناصة على العدو وفي بعض الأحيان نرميهم المدافع الثقيلة, والعدو كان يرد بعنف علينا فهو يمتلك الدبابات فكانت تقصفنا بقسوة شديدة, وصوتها قوية وتدخل الخوف في القلوب ولكننا بفضل الله كنا نتصرف طبيعيا عندما تعودنا على هذا العمل الروتيني, كنا نعلم بالضبط متى سيقصفنا العدو بالوقت وبالساعات, والمعروف أن الجنود الرسميين لم يكونوا جادين في الخط أو المعارك ولذلك استعان نجيب الله بمليشيات مسلحة من الشمال تسمى"غلام جام"وهي الأقوى في المواجهة وهؤلاء موالين لجنرال دوستم ومن المذهب الهزارة الاسماعيلية ولا يلبسون الزي العسكري فهم مرتزقة وشرسين في القتال, كانت لحظات الخط الأول لحظات سعادة بالنسبة لي فقد نسيت كل شيء في الدنيا غير والدتي الحبيبة كنت أتساءل كيف حالها وهل تمكنت من معرفة حقيقة ما أنا عليه؟ ولم أتمكن من مراسلتها من داخل الجبهة.
كنا نستيقظ الفجر ونصلي بداخل الكهف الصغير المحفور من على قمة الجبل والمحمي بالشوالات الترابية, ولدينا مكان مخصص للحراسة الليلية والنهارية وقد ربطنا الخنادق بعضها ببعض بخندق ارتباطي طويل حيث يمشي المجاهد بداخله من غير أن ينحني أو يزحف, وبعد الصلاة نعمل حلقة تجويد ثم بعد ذلك يتم تجهيز الفطور وكانت سيارات الخط الخلفي تأتينا مرتين في الأسبوع وكنا نأكل أحسن أكل فتأتينا الجبنة المصرية والمربات ومعلبات السردين والشوكولا والكيكات (المعمول) وكنا كالملوك وشعرنا بالسعادة ألف مرة وأكثر من أن يكون أحدنا في بيته نائما أو حتى مستيقظا, وبعد الفطور نتوزع على الخطوط وبعضنا يبدأ بتجهيز الغداء, وتنظيف المدافع والأسلحة, والآخر ينزل لمركز جليبيب لإحضار الماء, وهذا كان أصعب شيء في الخط لأن جبل قباء كبير ويلزمنا إحضار الماء بأنفسنا وفي بعض الأحيان كنا نستخدم صاحب الإنسان في المحن, الحمير والبغال,