مهما كانت قوة سيارتنا, بعد أخذ كل الأسباب توكلنا على الله لأننا يجب أن نبعد النساء والأولاد من ويلات الحرب, ومن يتوكل على الله فهو حسبه, كان همي كله إبعاد الأخوات والأولاد وكل من يرافقنا من الوقوع في أي كمين أن هجوم مفاجئ.
ركب معي في سيارتي الجديدة زوجتي أم لقمان وآسيا ولقمان وسمية, والأخ عمر مختار الكيني وزوجته, وفي السيارة الثانية كان الأخ يوسف التنزاني وزوجته وبنته حفصه وزوجة الشهيد عبدالرحمن الكيني وأبو وفاء الكيني والأخ سلمين صاحب يوسف التنزاني, والدليلان وسيارة الفي إيكس أوسع قليلا من النيسان, ولم تكن لدينا أي سيارة مسلحة للحماية بل اكتفينا بأسحلتنا الخفيفة المكونة من الكلاشينكوفات والقنابل اليدوية وعدة ألغام, تابعنا سفرنا بكل حزم فيجب أن نبتعد عن هذه المنطقة لأن الأعداء كانوا يتحركون ببطئ بسبب قلة خبرتهم عن المنطقة, فالقوات الإثيوبية كانت تنتظر من نظيرتها الأمريكية التي في الجو لكي تعطيها الاحداثيات والمعلومات عن مواقع قوات المحاكم وتحركاتها, وكانت تلك التحركات في النهار, لذا قررت القيادة في دوبلي بأن تتحرك القوات ليلا إلى الجنوب, أما نحن فقد اتبعنا استراتيجية الحركة الخفيفة, وكانت سيارتنا مدنية بحتة وتحركنا وكأننا من الشعب فمن يرى نوعية السيارات سيعلم أنها مدنية ولن يتمكن من النظر بالداخل لأنها شيئا مظظلة كليا, والأمر الذي لا يستطيع أن يفر منه أحد في الصومال هو الاشاعات التي تهزم القوات قبل وصول العدو, فقد كثرت تلك الإشاعات حول تحركات المحاكم وكذلك تحركات العدو, ومن تلك الإشاعات أن جميع قادة المحاكم ستتحرك إلى كيامبوني وهذا قبل الحركة, لذا ورغم تمويه سفرنا إلا أننا أدركنا حجم المغامرة فرحلتنا إلى الجنوب في غاية الخطورة, ولكننا لسنا أمة تعبد الماديات أبدا, فالمسلم إذا أخذ بالأسباب واستخار مولاه فلا ينبغي له أن يركن أو يتردد أبدا, فالأرض لله وهو من يتحكم في الجو والبحر والبر ولا نؤمن ولن نؤمن بأن أمريكا هي التي تتحكم بالكون, فهي لا تساوي جناح بعوضة من ملكوت رب العالمين, ولا تساوى ذرة من قوة رب السموات والأراضين, فلا تخيفنا السي 130 أو السي 140 والبي 52 وما إلى ذلك من أسماء الجمادات التي لا تحي ولا تميت, إن الله وحده من يعلم وقت الآجال والروح ملك له سبحانه, ولو كان موت الإنسان هو بمجرد وجوده في أرض الجهاد والقتال لكنا قد متنا منذ 17 سنة مضت, لم نكن قليقون من شيئ سوى أن تنفذ البترول من سيارة يوسف التنزاني ولم يكن لدينا أي احتياط فقد انتهت المحروقات كلها في دوبلي, أما سيارتي فكانت نيسان جديدة وقوية ولدينا ديزل إحتياط لها.
بعد عدة ساعات من تحركنا تقابلنا مع السيارة التي تحمل الحليب إلى دوبلي وهي قادمة من القرى المحاورة, فاشترينا الكثير من الحليب المعبأ في جالونات سعة 3 لتر, واخترت الحليب الحامض لأن فيه صوديوم وملح, وكان الجو ساخن جدا وقد صبر الأطفال في كل هذه المحنة وكانوا يدعون الله بأن نصل إلى البيت المجهول بسلام, لقد ظهرت لنا مشكلة صغيرة في اليوم الأول من رحلتنا فقد أصيبت بنتي الحبيبة بالحساسية وبدأت تحك جسمها وانتفخت, كما ظهرت بعض البقع فجأة في كل جسمها, ولم أكن أعلم ذلك فقد كانت تبكي في الخلف ولكن بخفية لألا أشعر بها, أرادت أن تخفي ألمها عني لأنها تعلم أننا في سفر, وعندما علمت أمها بالأمر عن طريق لقمان فأخبرتني"ابنتك تبكي في"