فهرس الكتاب

الصفحة 1073 من 1375

نسمع النساء وهن يصرخن من الآلام فلم ترحم القنافذ أحدا, لقد أصبح أرجلنا كالكوز المثقب في كل مكان, لقد عنينا من تلك القنافذ, وكان السير بطيئ بسبب المياه والأتربة البحرية والحشائشة ومحاولتنا اختيار المكان المناسب لوضع أقدامنا قبل أي حركة, كنا نتفقد المكان فإذا وجدنا كومة بيضاء قفزنا إليها لكي لا نقع في الحشائشة والمستنقعات المالحة, وأحيانا تخدعنا أبصارنا لأننا في الليل فنقع في الكومة البيضاء ثم تغوص إلى الأعماق, كان عليّ الحفاظ على ابنتي سمية لألا تتأذى أو تشرب مياه البحر, أما أم لقمان فقد بقيت معي وكانت تسير ببطئ شديد من التعب وقد غاصت تماما وابتلت من فوق لتحت كجميع الأخوات, كانت هناك بكاء وصراخ من الآلام, لقد تأثرت عندما رأيت زوجة الشهيد عبدالرحمن وهي تعاني وكانت تتحرك لوحدها في مسيرتنا, فلا أحد يأخذ بيدها, وعندما اشتد الوضع وبدأت تقع في الحين والآخر تقدم الأخ سلمين لمساعدتها, فالضرورات تبيح المحظورات, إننا في وضع حرج فالعدو أمامنا والبحر والأتربة من تحتنا والأشواك بداخلنا, كان الوضع عجيب جدا لا يقدر حتى مخرج سينمائي أن يتخيل الوضع, لقد تعبت زوجة يوسف التنزاني التي أتت من أسبوع لزوجها واليوم تعود إلى ديارها من جديد ولكن عن طريق التهريب, وكانت معها بنتها حفصه التي أزعجتها كثيرا, وقد ابتعد يوسف عنها لذا فقد تولت أمر البنت, أما أبو وفاء فقد تحرك بسرعة للأمام للاستطلاع لأننا لا نريد أن نفاجأ في الشاطئ بحرس الحدود, كانا بطلي هذا المشهد هما آسيا ولقمان فكانا يصارعان المياه ويقفزان هنا وهناك ليتفادى القنافذ ومن أجل الوصول, كانا يصرخان عندما تقع قدميهما على الأشواك, ثم ينظران إلينا وأنا حامل سمية على ظهري وأمهما تتحرك ببطئ فأشجعهما على التقدم, لقد تربيا هؤلاء الأطفال على التحمل من الصغر, إنه قدرنا الجهاد في سبيل الله والفرار بديننا وطلب الحرية في أرض الله الواسعة من أجل الله وهذه من نعم الله, كنت أحدث نفسي لأشجعها على الصبر"ماذا لو كان هذا التهريب يا نفسي من أجل مخدرات أو مسكرات أو من أجل معصية الله سبحانه وتعالى بلا شك لكتب علينا الإثم", ومادام كل هذه الصعوبات في سبيل الله فيجب أن نصبر ونحتسب الأجر, لقد استخرنا الله سبحانه وتعالى قبل الحركة, لذا فلا ينبغي أن نخاف من شيئ فالله معنا بنصره إن شاء الله.

لقد ساعدنا نور القمر في السير لأننا كنا نرى قعر البحر بوضوح, صبرنا لله وتابعنا السير إلى الأمام, وقعت أحيانا في الحفر ووصل ركبتي إلى الأسفل ووجهي قد لمس المياه المالحة, وبمحاولة من هنا وهناك وبفضل الله أثبت في تلك المرحلة لألا أغوض في المياه لأن سمية على ظهري, وكانت تنشد الأناشيد الإسلامية الحلوة مثل"الشوق نار كاوية", وكانت تخفف عني بأناشيدها البريئة, فهي مبسوطة فيبدو لها أنها راكبة على ظهر جمع كما يبدو لها وكنت مبسوط منها, وكانت تسألني أحينا عن أمها فأتوقف لأنتظرها فهي خلفنا مع زوجة عمر مختار الذي كان في الخلف تماما ليتأكد من عدم تخلف أحد, لقد هم يوسف التنزاني مرارا وتكرارا في ترك الشنطة لأنها ثقيلة جدا, ولكنني صبرته وطلبت منه إما أن يحمل سمية ويسلمني الشنطة والعكس صحيح, لذا كان يصبر ويواصل السير بالشنطة لأنه يعرف أن حمل الأطفال أصعب, لقد نزلنا من القارب في الساعة التاسعة مساءا, وواصلنا السير إلى الساعة الحادية عشرة تمام, ويعني أننا سرنا في المياه الشاطئية أكثر من ساعتين لتبدأ الصخور الشاطئية بالظهور وشكرنا الله أننا وصلنا بسلام, لقد وصلنا إلى الشاطئ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت