ننام في النهار ونخرج بالليل, ومن زاوية أمنية لم نكن نعلم نوايا تلك الفصيلة ربما هي كمين مدرب والتغريز مجرد غطاء حتى تصل الإمدادات, لقد تساءلنا إن كانوا قد رأونا أو عرفوا شيئا عنا, واستنتجنا حسب المعطيات أننا لم نكن آخر من مر في تلك المياه فالفلاحون مروا بعدنا, كما أن الشاحنة مرت قبل ذلك بفترة, لذا اطمئن قلوبنا أنها غرزت بقضاء الله وليس باختيار منهم, وعندما بدأت الشمس بالغروب كان الجنود يقتربون من شجرتنا فهم يبحثون عن شجرة قوية تستطيع أن تتحمل وزنها وكانت الشاحنة مجهزة بمكينة سحب آلي (ونش) ومن خلالها تربط الحبال بأي شجرة قوية ثم تقوم الشاحنة باخراج نفسها من الوحل, وراقبنا هذه التحركات بقلق, فقد استخدموا السواطير في قطع الأشجار وفتح طرق توصلهم إلى شجرتنا الكبيرة, وبدأ الأخ يوسف التنزاني بالضغط علينا لنخرج من المكان, فصبرته وقلت له"أصبر قليلا حتى تغرب الشمس تماما", واستمر الجنود في التقدم إلينا ولكن ببطئ شديد فالمياه في كل مكان, ونحن طبعا ربطنا أشياءنا ولبسنا ملابسنا بسرعة, وخرج يوسف التنزاني من الشجرة من الجهة المعاكسة كي نبعد عنها, وهكذا فعلنا خرجنا جميعا بكل هدوء وبدون صوت وزحفنا قليلا ثم مشينا منخفضين دون رفع رؤوسنا لألا يرنا أحد, وكانت المنطقة مليئة بالمياه المطرية, لذا أسرعنا قليلا ثم بعد 500 مترة وعندما تأكدنا من عدم رؤيتهم خرجنا إلى الطريق العام وكنا نسمع أصواتهم وهم يواصلون عملهم في إخراج الشاحنة, وكما قلت سابقا إننا لم ننوي قتالا في هذه المرحلة لذا استمرينا في سفرنا وتابعنا الطريق إلى الساعة الثامنة فظهرت فوانيس جانب الطريق ففهمنا مباشرة أنها قرية, وقد أبطأنا قليلا, ثم جلست أنا والأخ يوسف التنزاني في الطريق الذي يسوده الظلام وتحرك الأخ أبو وفاء لأنه رجل المهامات الصعبة وهو كيني الأصل من والد أوغاندي ووالدة كينية, لذا كان شكله لا يوحي أنه غريب عن المنطقة أما أشكالنا فتوحي أننا غرباء عنها, لم نكن نعلم أن الإعلام العالمي يتحدث عن الحرب في جنوب الصومال, وعن قذفت أمريكا قرى مسلمة وقتل المئات فيها, أما السكان المحليون فهم يسمعون البي بي سي قسم السواحلي كل صباح ومساء ليعرفوا آخر التطورات, لذا كانوا يتابعون الحرب عبر الأخبار, كما أن الإعلام كان يتحدث عنا وعن مقتلنا وعن خروجنا وعن احتمال دخولنا الأراضي الكينية لذا كان الأمر واضح للقرويين, وبعد فترة وجيزة رجع إلينا أبو وفاء, وقال لنا بصوت خافت"قما ... هيا قما ... , لنخرج بسرعة من هذه القرية", فقمنا واتبعناه وأسرعنا المشي وبعد عدة أمتار قال لنا,"إنها قرية ماراني, وسكانها قليلون, إنها قرية صغيرة, لذا لم أشأ أن ألفت أنظار الناس, فخرجت بسرعة", فسألناه إن كان قد سأل عن القرية التي بعدها وكم مسافتها وكيف الوصول إليها وهل الطريق آمن أم ماذا؟ , فردّ علينا بأن القرية التي بعدها تسمى (مانغاي) , وتبعد ثلاث ساعات, أما الغريب في المسألة أنه لم يأخذ من أهل القرية ولو ملعقة سكر وهو يعرف أننا لا نملك الكثير من الطعام, أما هو فقد أكد لنا أن من مصلحتنا عدم معرفة أهل القرية بنا ولا بعددنا, لذا خرج منها بسرعة, وتفهمنا قصده, وجزاه الله خيرا.
يجب أن أتحدث قليلا عن أوضاع هذه المنطقة النائية في ولاية لامو الساحلية, إن هذه المنطقة المسلمة من أفقر مناطق كينيا رغم أنها تقع في محمية (دودوري) ويكثر فيها الصيد والوحوش البرية, إنها غابة فطرية لم تلوثها يد الإنسان, ولكن الحكومة الكينية تمنع سكانها من الصيد لذا نجد أن هؤلاء يموتون ويتناقصون كل سنة وسكان هذه المناطق من قبيلة