فهرس الكتاب

الصفحة 1093 من 1375

فيها البريتا, وأخبرت يوسف التنزاني أن يواصل المشي قليلا ويتركنا أنا وأبو وفاء لنتولى المسألة فأشكالنا غير غريبة عن المنطقة, انتظرنا الرجل وأنزل أبو وفاء زاداه الملفوف بداخل الملايا وبداخله القنابل اليدوية, ثم بدأ ذلك الرجل بطرح الأسئلة علينا, ونحن كنا قد رتبنا قصة لتواجدنا في هذه المناطق, وعندما أخبرناه بقصتنا زودناه بأخبار الشاحنة لكي نطمّنه, وقد اطمئن لذلك وطلبنا منه من جديد أن يوفر لنا السكر والشاي إن أمكن فقال لنا"إننا قرية فقيرة ولا وجود للسكر فيه, وصدقوا أو لا تصدقوا, فتلك الشاحنة التي كنتم عندها هي أول سيارة تمر هناك بعد سبعة أشهر", لقد تأثرنا بكلامه وطلبنا منه النصيحة فقال لنا أن المنطقة مليئة بالسباع والأسود, فقلنا له سنتقدم قليلا قليلا إن شاء الله, وأخبرنا بأن القرية الجديدة المسمى (باصوبا) تبعد عنا بحوالي أربع ساعات, كنت جالسا على الأرض عندما تحدثنا معه لأشعره أننا أناس بسطاء لا حيلة لنا, وقد سألناه إن كان لديه وسيلة نقل أو حمار أو دراجة أو أي شيئ وكان الرد دائما بالنفي, ثم سألناه إن كان لديه وسيلة إتصال وأقصد هناك جهاز راديو لاسلكي عسكري, فردّ علينا بالنفي من جديد, وأفادنا بأن من يمتلك جهاز هاتف يحتاج إلى تسلق شجرة طولها 10 أمتار لكي يجد الإشارة, وهنا ارتحنا قليلا لأننا لا نريد أن تصل أي معلومة بخصوصنا إلى لامو أو كيونغا أو أي منطقة أخرى, فكل هذه المناطق عسكرية بدرجة أولى فهناك الكثير من القواعد العسكرية التابعة للبحرية أو الأمريكان ويستخدمونها للتدريب, وكنا متأكدين أن الشاحنة العسكرية هي في دورية لكي تبحث عن أي غرباء في المنطقة, فكما قال لنا الرجل لا تمر السيارات في هذه المناطق إلا لضرورات القصوى.

ودعنا الرجل وتحركنا بسرعة, أردنا أن نسبق كل من يفكر في توصيل المعلومات بشأننا إلى الأمام, ولأننا نعلم الإجراءات المتبعة في القرى الصغيرة فعلى العمدة كتابة تقرير عن أي نشاط أو أي ظهور مفاجئ لغرباء في المنطقة وبالذات في هذه الفترة التي تشن الحرب من هذه المناطق, لذا لم نستبعد أن يرسل أحدا وراءنا لابلاغ القرية التي أمامنا, واستمرينا في المشى وبدأت الفقاقيع تظهر في قدمي الأخ يوسف التنزاني, وكان يستخدم حذاء جلدي بدلا من النعال البلاستيكية وبدأنا بالتباطئ في المشي, وفي العاشرة صباحا دخلنا في الغابة كالعادة ووجدنا شجرة كبيرة وأما تحتها فكأننا في قصر خمسة نجوم, رقدنا تحتها بسلام وشربنا بعض الماء بالسكر وقد انتهى منا كل شيئ في هذا اليوم, ثم نمنا نوما عميقا جدا, وفي الساعة الخامسة والنصف بعد العصر تحركنا من جديد بفضل الله ومنته وفي الساعة التاسعة مساءا وقبل ظهور القمر دخلنا في قرية (باصوبا) , ولا يتجاوز عدد سكانها 300 شخص, يعيشون في وضع صعب فلا مياه صافية ولا دكاكين ولا طرق ولا كهرباء طبعا, ويمكن للمرأ أن يمر ولا يسلم على أحد, ولن يتمكن أحد من معرفة ذلك إلى يوم القيامة, لأن القرية تقع في عمق الغابات ولا أنوار فيها إلا في الأكواخ والقبيلة التي تسكن هذه المناطق هي أفريقية تسمى (بوني) , كما أن هناك بعضا من (البوكومو) وعاصمة هذه القبيلة هي مدينة (غارسن) التي تقع في مقاطعة (تانا ريفا) المجاورة, وطبعا كنا بعيدين جدا عنها, وهذه القبيلة تشارك البونيون في الساحل الغربي من لامو كما تقطن بعض المناطق الصومالية الكينية, كمقاطعة (إيجارا) , تقدمنا إلى القرية بحذر وعندما اقتربنا من الأنوار, قلت للأخ أبو وفاء:

-"إذهب وألقي السلام, وإن سألوك عن عدد من معك, فاعلم أنهم قد علموا بخبرنا, وإن لم يفعلوا ذلك, فهم لا يعلمون عنا شيئا, وسنبقى في أماكننا ولن نظهر لهم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت