فهرس الكتاب

الصفحة 1102 من 1375

ولكي يفهم القارئ هذه المسألة يجب أن يعلم أننا ومنذ خروجنا من قرية كيونغا الحدودية كنا نتجه مباشرة إلى الغرب متبعين الطريق الترابي الغير مستخدم منذ فترات طويلة, أما اليوم فسوف نقلب كل شيئ, قلت ليوسف"خذ الاتجاه المؤدي إلى قرية (إيجارا) ", وإيجارا تبعد عنا أكثر من 100 كيلو, وحسب معرفتنا بالمنطقة ووجود الطريق كمعلم ظاهر لنا حددنا إتجاه جديد وهو 46 (ملز) وليس درجة عادية, وثبتناه على البوصلة العسكرية التي بحوزتنا, ثم بدأنا المسيرة متجهين للشمال الغربي وأردنا أن نبعد في ذلك النهار عن المنطقة بأكثر ما نستطيع, ولم نعرف أن في ذلك اليوم الخميس الموافق 11 - 1 - 2007 م سيكون يوم تاريخي بالنسبة لنا, فهو يوم نجاتنا من الظالمين وكذلك يوم التيه في الغابات, كما أنه يوم نقل نساءنا إلى نيروبي, فقد بدأنا بمرحلة جديدة إسمها التيه بمعنى الكلمة ولم نكن نعلم ما ينتظرنا من فرج كبير بعد عسر وشدة, لقد تحمسنا وخرجنا مسرعين وبدأنا نسير في الحشائش الطويلة والمسنقعات التي تغطي أجسامنا, ودخلنا عالم جميل جدا وخضراء ولكنه خطير وغريب وموحش, فلا صوت إلا أصوات الطيور والأسود والغزلان والضفادع وكل الحيوانات المفترسة, استمرينا في المشي إلى زوال الشمس فتوقفنا قليلا ونظف يوسف جراحه وأخبرتهما بسر اكتشفته,"أتعلمان أن الحشائش المائية الطويلة مذاقها كمذاق كقصب السكر", لقد تعجبا من كلامي وقلت لهما أنني كنت أخلعها من جذورها وأمضغها منذ دخولنا الغابة ولكي أجد القليل من السكر, وقد جربا ذلك وتأكدا من كلامي. وحسب فهمنا من الخريطة التي في ذهننا فسنجد الطريق نفسه المؤدي إلى قرية (بوذاي) ولكن من إيجارا وليس من ميليماني فقد تركناه أو من برغوني لأننا لم ندخل بوذاي أصلا, لذا ولكي يفهم القارئ الخريطة جيدا فسوف أفصل قليلا عن المنطقة, إن بوذاي تقع في الوسط فالذي يأتي من الشرق في الحدود وبالذات من كيونغا كما فعلنا ويقصد مدينة لامو في الجنوب الشرقي يجب أن يمر بها وكذلك من يأتي من إيجارا في الشمال ويريد لامو يجب أن يمر بها, فالطريق من إيجارا إلى لامو مرورا بقرية بوذاي مستقيم من الشمال إلى الجنوب, أما إذا أراد المسافر كيونغا فسيتجه إلى الشرق مباشرة, لذا تعتبر قرية بوذاي مفترق طريق, وكنا قد قررنا بأن نتجه إلى الشمال قاصدين ولاية (إيجارا) , لم نتأخر كثير في تلك الشجرة الكبيرة بل قمنا وواصلنا المسير في عالم عجيب جدا لن أقدر أن أصف خلق الله, فهناك هدوء تام في بعض الأحيان ثم فجأة ودون سابق إنذار تصدر الطيور والوحوش الأصوات من هنا وهناك وتملئ الغابة, وكلما ننظر إلى الأمام لا نرى إلى بحر من الأشجار والغابات الواسعة, أينما نوجه أبصارنا نجد الغابة العظيمة أمامنا, تماما كالمسافر في المحيطات الواسعة, كانت هناك مسافات بين الأشجار الطويلة المتنوعة والحشائش المائية الطويلة التي تظهر في كل مكان وبلونها الخضراء نتيجة لكثرة المياه الراكدة والمستنقعات, لقد تعبنا جدا في هذه المرحلة فتارة نمشى في أماكن جافة وتارة أخرى تظهر لنا المستنقعات الكبيرة ونقطعها لأننا وبكل بساطة لا نمشي على طريق محدد مسبقا بل نمشى على إتجاه معين وحسب الإتجاه نسير ونغوص ونزحف أحيانا, كان هذا الأمر صعب علينا ولكن ماذا نفعل؟ , لا خيار آخر أمامنا, في هذا اليوم الأول ظهرت لنا شجرة وفيها فاكهة جميلة حمراء, ولكن عندما تذوقناها تبين لنا أنها أشد من الحمض, ولم يفوت يوسف فرصة فقد قطف الكثير منها وأكلها دون أي تردد, أما أنا والأخ أبو وفاء فقد حذرناه لأن ذلك سيؤدي إلى قطع أمعاءه الفارغة من الطعام ولكن لم يبالي, فهو قد رأى أنها فرصة لن تتكرر, فقلت"ربما هذه الشجرة منتشرة في"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت