فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
يصفه, إنه أفضع وأبشع الانتهاكات للانسان على وجه الأرض, ومع ذلك يبدو أن عين عم سام الأعور لا تقدر على رؤية ذلك, كنا نتذكرهم فنشكر الله على نعمته فنحن والحمدلله لدينا ماء في كل مكان, والعدو لا يطاردنا فقد يأس منا وقلت طلعات المروحيات, ولم تكن هناك سوى الطائرات المدنية, التي تهبط في لامو لنجدة المنكوبين في المنطقة, وقد استفدنا من تلك الطائرات فكنا نعلم إتجاه لامو بالضبط رغم أننا منحرفين عنها قليلا, من شدة تعبنا في هذا السفر وصلنا لمرحلة عجيبا فقد أردنا أن نلجأ إلى الله بالدعاء من أجل أن تسقط أي طائرة مدنية أثناء طيرانها فوقنا لكي نجد شيئا نأكله, ثم نراجع أنفسنا ونتذكر بأن فيها مسافرين من المسلمين وغيرهم من الأبرياء, فكيف نطلب الله أن يسقطها ليتأذى هؤلاء ونرضى نحن؟ , هو أمر جنوني لا ينبغى لنا أن نفكر فيه ولكنني أتحدث عما وصل إليه الحال, كان وضعنا صعب جدا ولكننا لم نفقد الأمل في الله سبحانه وتعالى, كان المصحف الشريف الشيء الوحيد الذي يؤنسنا بعد أن نكمل القصص التي تتكرر يوميا فنرويها مرارا وتكرر, وكان معظم حديثنا قبل النوم يدور حول أصناف الطعام, كان لكل واحد منا الوقت الكافي ليصف أجمل ما أكل منذ ولادته إلى يوم تواجدنا في الغابة, أريد من القارئ أن يتخيل كيف كان وضعنا, وحتى الأطعمة التي نعفها في حياتنا وليست مفضلة لدينا أصبحت مفضلة ومحببة وكل ذلك في الأحلام, فبالحديث عن الأطعمة وأصنافها يعطينا بعض القوة والأمل وننام بتلك الأحلام, لقد تورمت ظهورنا بسبب النوم على الأرض الصلبة والمبلولة, أما البعوضة المنتشرة في الغابة فقد نجانا الله من شرها بسبب الناموسية التي معنا, وكلما جاء وقت النوم أتذكر عائلتي فلديّ غطاء قطني أهدت لي إياها بنتي آسيا, ورغم أننا ننام في وسط الأشواك إلا أن النوم يكون بنظام طبعا, وبسبب أنني لا أتحرك إذا نمت لا يمينا ولا يسارا, أتجنب يوسف التزاني الذي يتقلب كثيرا أثناء النوم فكل مرة نجد قدميه فوق أحدنا لكثرة حركته, لم يكن هناك حراسات فالوحوش والأسود كانت تحرسنا وتتحرك معنا, لم ننزل منزلا إلا ونسمع أصواتها بالقرب منا, أما في الصباح فنستيقظ على أجمل النغامات العالمية, فالطيور تستيقظ باكرا وهي بأعداد لا تحصى ولا تعد فهي كثيرة ومتنوعة, ولم يكن باستطاعنا الصيد بسبب قصر مدى مسادساتنا وعدم قدرتنا على مطاردة أي فريسة بسبب ضعفنا وقلة حيلتنا ونفاذ قوتنا, كنا نتحرك كالسلحفاة فكل يوم نخفف عن سرعتنا ونقصر المسافة, وآخر تعديل كان الخروج بعد الثالثة والاستراحة في السادسة مساءا وكل ذلك من أجل أن نحتفظ بقوتنا حتى نجد الطريق العام أو أي مزرعة أو أي بني آدم, لقد ندمنا كثيرا لتركنا معالم الطريق السابق الرابط بين (إيجارا) و (بوذاي) ولكننا ومع ذلك تفاءلنا وكان ثقتنا بالله أقوى وكل يوم نفرح بالاتجاه الجديد بسبب تغيير ملامح الغابة شيئا فشيئا.
كان برنامجنا لهذه المرحلة أن نصلى الصلوات بوضعية الجلوس وقصرا ونجمع في نفس الوقت, فبعد صلاة الفجر لا يقف أحدنا بل نظل مستلقين على ظهورنا ونواصل في قراءة الأذكار وبعد طلوع الشمس نعود من جديد للنوم, وبعد الظهر يبدأ الاستعدادات للسفر, وهذه أصعب الأوقات بالنسبة لنا, فالشيطان يحاول إحباطنا ويملي لنا الأفكار السلبية عن عدم الوصول إلى أي هدف وسفرنا طويل ولن نخرج من الغابة أبدا وما إلى ذلك, ويسرب تلك الأفكار إلى أذهاننا لكي نستسلم ونبقى في الغابة إلى أن يختارنا الله, وكنا نقاوم تلك الأفكار السلبية بالأذكار والدعاء الخالص لله, فهو من يجيب المضطر إذا دعاه, فمن نجى يونس من بطن الحوت, ونجى إبراهيم من النار هو من سينجينا مما نحن فيه وكنا فعلا