فهرس الكتاب

الصفحة 1109 من 1375

من المضطرين, لذا لم نشك أبدا أن الله سيستجيب دعاءنا, وقبل الخروج من الشجرة للمسير نشرب الكثير من الماء ثم نتوكل على الله, ومجرد أن ننطلق تظهر قوتنا ونشعر بالنشاط والتركيز والهمة العالية وكأن الله يريد منا الحركة, لقد أعجبنا هذا الأمر كثيرا, لقد لجأنا إلى دعاء نبي الله عيسى عليه السلام (اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء) , وشرحت للإخوة أن ذلك ممكنا إذا علم الله سبحانه وتعالى أننا فعلا لا نملك شيئ ولم تنتهى أيامنا, فهو لا يترك العبد أبدا في أي حال من الأحوال وليس من الضروري أن نرى تلك المائدة وهي تنزل من السماء, بل المياه التي بأيدينا والفواكه الصغيرة المخصصة للقرود والطيور والحشائش كلها موائد من الله لكي نتقوى بها, فالأمر واضح بالنسبة لنا, فمادام هناك حشائش على الأرض وشجرة التمر الهندي موجودة في الغابة, وكذلك بعض الأشجار الفيتامين سي ولدينا الماء في كل مكان, فالله يعلم أن كل هذه الأشياء تكفينا لنبقى على قيد الحياة ولسنا أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد علمنا ما حصل له في شعب أبي طالب, كنا نصبر بعضنا حسب الحاجة, وفي بعض المراحل من هذه السفرية العجيبة توصلت إلى قرار بأن نصيد القردة لأنها الأقرب لنا, فدائما تكون بجانب الأشجار الكبيرة ولا تخاف منا كبقية الحيوانات فالغزلان سريعة وتفر منا بمجرد الحس وكانت كثيرة وبالمئات وقد أدهشنا كثرتها, وكذلك الزرافة والجواميس الوحشية كلها كانت تفر منا وتهرب عندما نقترب منها, وعندما شاورت الشباب في موضوع صيد القردة أفادوني أنها عنيفة وربما تهاجمنا وهي طبعا كثيرة جدا وتعيش بنظام القبائل ونحن لا نريد أن نضيع رصاصاتنا في حرب مع القرود فلا ندري ما ينتظرنا من بني جنسنا الذي يعيش خارج الغابة ولكن بقانونها وللأسف الشديد, كانت الغابة بمجملها غارقة في المستنقعات بسبب الأمطار الكثيرة التي سببت كوارث في مناطق غارسين وما حولها, وكلما تحركنا قليلا وجدنا مستنقعا وكنا نضطر أن نتعامل معها كما نتعامل مع الغابات فننزل فيها ونخترقها لعدم وجود طريق آخر, وعندما تبتل ملابسنا فلا نملك سوى أن نخلعها أثناء الليل, ويلجأ كل واحد منا إلى الاحتياط, فأنا أملك ثوبا أسود كان للشهيد (حنيف) رحمه الله, وأعطي غطاءي للأخ أبي وفاء, أما يوسف فلديه ثوب أخضر يلبسه لمثل هذه الظروف.

والآن أعود من جديد لمشكلة إختراق الغابات, خططنا وتشاورنا واتفقنا على أن لا نخترقها بل نسير حولها ونرى إن كان هناك آثارا للفيلة أو الأسود أو الغزلان أو الجواميس, فنتبعها وإن كانت قد اخترقت الغابات فعندئذ نخترقها كما فعلت, فهي أعلم بأقصر الطرق ولها وسيلة إتصالات متطورة أكثر من الإنسان, وفعلا وعندما بدأنا نطبق هذه النظرية ارتحنا كثيرا, فكنا نسير مع آثارها حسب الاتجاه وإذا رأينا أنها قد انحرفت عن الاتجاه نجتهد في السير للأمام قليلا حتى نلتقي بآثار جديدة وبعض الأحيان نترك الاتجاه ونسير مع آثارها لأننا نعلم أننا سنعود إلى الاتجاه بعد 500 متر فقط لقد ساعدتنا الوسيلة الجديدة في الحركة وعندما ندخل الغابة باتباع آثار الحيوانات لم نكن نضطر أبدا إلى الزحف والتشابك مع الأشواك لكي نخرج منها, بل كنا نسير في نظام جديد وعجيب فهناك أنفاق اصطناعية من صنع الوحوش, فبكثرة مرورها وبأعداد كثيرة تركت فتحات كالانفاق حول الأشجار, وكنا نسير في نفس المسار فنخرج من الغابة بأقل الصعوبات, كما نجد الكثير من الفواكه الصغيرة التي تبقينا على قيد الحياة. سرنا بنفس الوتيرة منذ ذلك الحين وكنا نصبر أنفسنا, فكل يوم نتيقن أنه آخر يوم لنا في الغابة وسنصل إلى الطريق إن شاء الله, ثم تغرب الشمس ونحن فيها فندخل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت