فهرس الكتاب

الصفحة 1111 من 1375

إنه يوم السبت والتاريخ 20 - 1 - 2007 م, لقد مر علينا أسبوعين منذ تركنا قرية كيامبوني في الصومال واليوم الثامن منذ تركنا الطريق المؤدي إلى بوذاي ودخولنا في الغابة والتيه, وفي الصباح شوينا اللوز من جديد ولكنني بدأت أشعر الغثيان ولم أستصيغه, أما يوسف فهاداه الله فلم يترك أي فاكهة في الغابة دون أن يجربها, أما أبو وفاء فلم يقترب من أي شيئ كان يجرب القليل ثم يكثر من شرب الماء, وكلما نظرنا إلى الدولارات التي يحوزتنا ننفجر من الضحك, فهي لا تساوي جناح بعوضة, وقد عرفنا فعلا حقيقة أن هذه الدنيا لا تساوي شيئا, وأفضل عمل لهذه الأوراق في الغابة هي أن تستخدم للاستنجاء أكرمكم الله فهي لا تساوي شيئا في الغابة, لقد علمتنا الغابة الكثير من الأمور, فزاد يقيننا بقيام الساعة وإيماننا باليوم الآخر, ففي الغابة شعرنا فعلا أننا في عالم آخر, رغم أن هناك بشر يأكلون ويشربون ويمرحون في نفس اللحظات التي نشم فيها ريح الموت ونكاد نموت من الجوع, إن الغابة كالقبر فهي امتحان, ثم بعدها سيكون هناك حساب إما الجنة أو النار, وأعني أن الغابة تشبه حياة الدنيا والإنسان والآخرة, فالإنسان في سفر ويريد الوصول إلى بيته بسلام وهذا يشبه وجوده في هذه الحياة ثم ينتقل إلى الآخرة, وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المشهد عندما قال"ما أنا إلا كرجل استظل تحت ظل شجرة ثم قام وتركها", أو كما عليه أفضل الصلاة والسلام عندما وصف الدنيا وما فيها.

في الساعة الثالثة بعد الظهر وكالعادة خرجنا من الشجرة وبدأنا المسير, لم نبعد كثيرا حتى أمطر الله السماء وأنزل منها مياه مبارك فاستبشرنا خيرا ودعونا الله باخلاص بأن يخرجنا من هذه الغابة بأسرع وقت, وقد اتفقنا بأن نتقرب إلى الله بثلاث خرفان أو المعز إذا خرجنا بسلام, ولم يكن ذلك نذرا, بل حبا في أن نتصدق بشيئ بعد أن يفرج الله عنا, مشينا كثيرا ثم توقفنا في بحيرة صغيرة وتبين لنا أن فيها سمك بسبب نزول المطر, ولم نتأخر بل شرعنا في الصيد رغم صغر حجمها واستخدمنا في ذلك أيدينا والناموسية, وقد تحمس الأخ يوسف التنزاني للأمر, وركزت على حلازون البحر وهو عبارة عن جسم سوداء اللون وصلب بداخله حيوان صغير, يخرج من المياه ليلتصق بالأشجار أو الحشائش إن توقف المطر, إنني أعرف حلازون البحر منذ صغري فكنت أجمعها في الشواطئ في جزر القمر عندما نذهب لسباحة أو اللعب, لذا اجتهدت في جمعها وأخبرت الإخوة بفعل ذلك, ولكنهم لم يفعلوا فقد استغربوا منه, وسألوني"كيف سنأكل مثل هذا الشيئ؟", فقلت لهما بأنها تطبخ في مياه ساخنة وتؤكل, وطبعا لم يكن لدينا قدور للطبخ لذا لم أشجعهم على جمعها, أما أنا فقد وجدت ضالتي, فبعد أن جمعت الكثيرة منها بدأت بأكلها بمجرد كسرها وسحب اللحم الصغير بالداخل وآكله نيّا, كنت آكله كما يؤكل الفستق, وقد جرب يوسف ذلك ولم يتسطع, جمعنا بعض السمك الصغير بحجم الأصبع في تلك البحيرة الصغيرة من أجل أن نأكلها عندما يحين موعد الراحة, لقد فرحنا لذلك اليوم الممطر الجميل, وتابعنا طريق الفيلة وأسرعنا في المشي فقد نشطنا ولو قليلا, تابعنا السير حتى وجدنا شجرة وتبين لنا أنها السدر, فرحنا لرؤية بعض الفواكه فيها وشرعنا في أكلها بسرعة, إنها أفضل فاكهة في الغابة ولم نصدق أننا نأكل السدر, وكانت قليلة خضراء غير ناضجة, وشكرنا الله على ذلك ثم تابعنا السير ولم نبعد 20 مترا فقط حتى ظهرت لنا شجرة أخرى من السدر, ولكن بشكل جديد, لم نصدق ما نراه أمامنا, إنها شجرة كبيرة والفاكهة فيها حمراء كالون الدم,"يا الله إنها فاكهة السدر"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت