فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ولكنه ردّ عليّ,"يا يعقوب! هذا بفعل الشمس وليس بفعل الآدمي", فابتسمت لأنه لا يريد أن يعطي لنفسه آملا ثم يجد عكس ذلك وقد كررنا كلمة واحدة منذ 12 يوما تقريبا,"إننا سنخرج اليوم", لذا لم أتجادل معه ولكنني فهمت مباشرة أننا في المناطق المأهولة تماما, إنها مساحات شاسعة مجهزة للزراعة, فالمزارعون يحرقونها أولا ثم بعد جمع الحشائش يزرعون الكسافا والذرة وغيرها, واصلنا السير حتى دخل المغرب ولم نتوقف كنا متحمسين لأن الطريق جيد وأردنا معرفة نهاية المساحات المحروقة, وقد حل الظلام في الغابة وبعد فترة وجيزة ظهر لنا شيئ أبيض متحرك في وسط الطريق, فرفعنا أصواتنا"من هناك؟", فتوقف, وأسرعنا إليه فإذا هو رجل من بني البشر,"ياسلام على الصبر", شكرنا الله كثيرا لرؤيتنا أحدا من البشر فمنذ 12 يوما فقدنا الاتصال بالبشر, وسلمنا عليه فردّ علينا بسلام المسلمين, فحمدنا الله لأننا في مناطق مسلمة, ثم أخبرنا أن هناك سد صغير في الأمام لجمع المياه, ولم نتركه بل سألناه"في أي منطقة نحن؟", فأكد لنا أننا في منطقة (مكولومبي) , تعجبنا من اللفة الطويلة التي عملنها, وكيف أن الله أخرجنا من الغابة إلى منطقة آمنة ليس فيها تحركات عسكرية بتاتا, ومن جهته سألنا من أين جئنا, فأجبناه أننا كنا في رحلة للبحث عن عن فاكهة (الماكوما) , وقد تهننا قليلا, فأفادنا بأن الطريق الكبير الذي يصل مدينة لامو بغارسين على بعد عدة دقائق, قال لنا"ستجدون قرية (مكولومبي) في الجهة المقابلة,"يا سلام, يا سلام", لم نتوقف يومها بل قد ازدادت قوتنا أكثر من أي يوم مضى وكأننا ولدنا من جديد, فسنشرب الماء النظيف ونأكل كما يأكل الجميع, نسينا أمر الأمنيات تماما, وتحركنا مسرعين ولم يمضى ربع ساعة حتى كنا في مزارع الكسافا وها نحن في الطريق العام الذي يربط مدينة ممباسا بمدينة لامو, وهو طريق ترابي واسع يتم ترميمه في كل فترة, ولم نصدق ما نراه,"أبعد كل هذا التيه, يخرجنا الله من أجمل الأماكن؟", إنها قدرة الله على العباد, لقد تعلمنا الصبر, والتآخي والتحمل, ولم نكد نصل إلى الطريق حتى سجدنا لله شكرا, وذفرت أعيننا جيمعا فبكينا كالأطفال المشتاقين لأمهاتهم والغائبين عنهن لفترة طويلة ثم عادوا إليهن, إنها بكاء الفرح, في هذه اللحظات بالذات عرفنا كيف أن الله الذي خلقنا هو الذي راعنا في تلك الغابة ولم يتركنا لحظة, لقد أحبنا بإخراجنا من ظلمات الغابة, لقد أحبنا بنصرته لنا, لقد أحبنا بفتحه الدنيا لنا, هذه الدنيا التي لا تساوي جناح بعوضة ولا تساوي شيئا في ملكوت الله قد سخرت لنا بفضله سبحانه وتعالى, كيف يعقل أننا نجونا من السباع ثم من الجوع ثم من المرض ثم من شر الجواسيس, إنه الله الذي إذا آمن به العبد بصدق وجده أمامه في كل لحظة من حياته, لقد علمنا الله كيف نقترب منه في السراء والضراء, لم نترك الوتر أبدا عندما كنا في الغابة كما لم نترك ركعتي الفجر رغم تعبنا, فهي خير من الدنيا وما فيها وهي من السنن المؤكدة, لقد شعرنا ونحن في الغابة أننا في امتحان عظيم ولم نشكو المتاعب بل نظرنا إلى الأمر بإيجابية, إنه امتحان من الله وأراد منا الصبر ولولاه لما صبرنا, لذا كنا ننظر إلى الأشجار والحيوانات والطيور والوديان وكل شيئ أنها تسبح الله فهي ميسر ومسخر لنا, إننا من البشر وهي من الجماد, إن الدنيا التي نحن فيها وأقصد الأرض, هي لا تساوي شيئا بالنسبة للكون وأعني الكواكب والنجوم وما يسمى بنظام الفلك, وهذا الأخير لا يساوي شيئا عند كرسي الرحمن وعرشه, إننا كبشر لا نساوي ذرة مقارنة بالأرض فكيف بالكون أو الفلك, وكيف بملكوت الله! , إنني أتعجب من الذين يريدون أن يغوصو في معرفة مكلوت الله وصاروا يشككون في وجودهم قبل معرفة الله, إننا كبشر لم نكن نعلم ما يجري في الغابة"