طويلا, دخلنا في قرية محايدة يستخدمها العدو وكذلك المجاهدون, وهذه القرية يكثر فيها جواسيس العدو, وقد سترنا ظلام الليل, تمكن الإخوة الأفغان بالاتصال بأعوانهم من الملل والعلماء وقد أنزلونا في مسجد صغير وقديم, وقد تبادلوا الحديث عن آخر الأخبار وعرفوا أننا من إخوانهم العرب وقد جئنا للاستطلاع عن المنطقة, رقدنا قليلا ثم أكلنا السحور في الثالثة صباحا, وبعد التسحر خرجنا مسرعين من القرية لأن لا يطلع الفجر علينا ونحن بداخلها أو في حدودها وهكذا استمرينا في المشي وابتعدنا عن الخطر ثم بعد ذلك بفترة صلينا الفجر ثم وصلنا إلى نهر جلال آباد الذي كنا نراه من الطرف الثاني من الجبهة, أما الآن فقد انعكست الصورة فنرى تورا بورا من الناحية الثانية ويفصلنا عنها جبهات العدو, أعني أننا في الطرف الثاني تماما, وهكذا بعد عبور النهر الجاري وبمياهه الصافية جدا والباردة تمكننا من تجنب خطوط العدو القريبة منا, والآن نسير في مناطق جبلية وأخرى صحراوية لليوم الثاني من انطلاقنا من أسد آباد, استمرينا في المسير وكانت هناك مناطق شاسعة مفتوحة وقد تمكنا من رؤية المقابر الكثيرة والمخصصة لشهداء الأفغان الذين قاوموا الاحتلال الإنجليزي, وتمكن هؤلاء المحاربون من طرد الإنجليز من أراضيهم وقتل كل جندي في أرض أفغانستان, وقد ارتكبت مجازر القوات الملكية الانجليزية الكثير من المجازر عندما احتلت أفغانستان, وكانت الإمبراطورية تحتل بلاد الهند والسند أيضا, وهناك حكايات أفغانية تحكى ليومنا وهي حقيقية, وتحكي الروايات عن شجاعة الأفغان أثناء محاربة الإنجليز, ففي معارك ممر خيبر تم قتل كل جنود الإنجليز وترك جنديا واحدا وهو طبيب وبعد قطع أذنه أخلي سبيله ليذهب ويخبر قادته في جلال آباد بما شهد أثناء المعارك, والعجيب أن التاريخ يعيد نفسه, فالإنجليز قد قدموا لأفغانستان وعزلوا أميرها والبطل دوست محمد ثم نصبوا أجداد ظاهر شاه, تماما كما فعلت الروس بداود ثم ما فعلته الأمريكان بالملا محمد عمر, ولكن نسيت أميركا أن الأفغان جمعوا صفوفهم وطردوا المحتل الانجليزي ونسوا أن الأفغان جمعوا صفوفهم وأخرجوا المحتل الروسي ونسوا القاعدة البريطانية في حق أفغانستان"إن المشكلة ليست اجتياح أفغانستان بل الخروج منها"إنهم قد وقعوا في الفخ الأفغاني وسوف تسقط أمريكا على يد هؤلاء البسطاء كما سقطت من قبلها الامبراطورية الانجليزية والروسية. وأقول بأن الأفغان هم رجال وأهل حرب ويشهد على ذلك الصديق والعدو, ففي كتب السيرة هناك حكايات بأن الصحابة لم يفتحوا مدنا أفغانيا بالقوة لأن أهلها كانوا شرسين في القتال, وبعد مرور ثمان سنين من الحصار سلمت أهلها للصحابة والتابعين بموجب اتفاق هدنة, ومع مرور الزمن تمكن الأفغان من دخول الإسلام جملة واحدة بعد فهم مبادئ الإسلام.
استمرينا في سفرنا طوال اليوم وقد اكتشفنا عن قرب الطريق الملكي الذي ربط باكستان بأفغانستان في العهد الملكي وهو طريق طويل ومستقيم يبدأ من كابل مرورا بجبال سروبي وبمناطق القبائل ليصل إلى وزير استان, ولكن هذا الطريق لا يستخدم أبدا لأنه غير صالح تماما ولا يمكن لأي مكينة أن تتحرك فيه, أما البشر والحمير فممكن ذلك, وكل هذه المعلومات كانت جديدة لدينا إلا أن الأفغان شرحوا لنا كل صغير