فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 1375

وكبير أثناء الرحلة وفعلا صدق الله العظيم حين قال في محكم التنزيل: {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم} , فالسير والسفر والرحلات كلها تُعلم الإنسان الكثير من العادات واللغات والثقافات, ورغم أن ربنا أعطانا رخصة بأن نفطر أثناء السفر إلا أننا بفضل الله كنا نصوم مراعاة للأفغان فهم أهل شدة ويصومون أثناء السفر, وقد كانت سياستي وكذلك الأخ أبو عابد أن لا نخالف الأفغان في شيء أثناء السفر فالمذهب الحنفي ممكن أن نتعامل به فهو من المذاهب السنية, ومن جمال الانسان جمال تصرفاته مع الآخر مهما اختلف معه وهكذا كنا نقصر الصلاة ولكن لا نجمع وكنا نتوضأ ولا نمسح على الجوارب ونصلي بصلاة النبي بالطريقة التي فهمها الإمام الأعظم أبو حنيفة أعني أنه لم يكن هناك مجال للتشدد المذهبي أثناء السفر وأنا في الحقيقة لست مقلدا وأيضا لست متشددا لمذهب ما, فأنا أجزم أني لم أفهم الدين كما فهمه الإمام أبو حنيفة إذا فلما التشدد؟ فمادام هناك فرصة فقهية لمسألة ما فأنا أخذ بالرخص أثناء الشدة فقط لا غير, كنا رفقاء صالحين طوال الطريق وكان إخواننا الأفغان يحموننا ويجتهدون في عمل المستحيل لسلامتنا فنحن البعثة الأولي لهذه المناطق, وأجهدنا السفر وكثرة طلوع الجبال والنزول منها, وبعد صلاة العصر وقبل شروق الشمس بدأنا نطلع جبل طويل لحد ما ثم بعد مسيرة طويلة وبعد أن ارتفعنا كثيرا بدأنا بالنزول وحينها رأينا قرية صغيرة وجميلة مغطاة بالثلج وكان المنظر جميل جدا بالنسبة لي لأنني أحب فن الرسم والمناظر الخلابة وجمال الطبيعة وهذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه, كانت هذه القرية كجنة صغيرة, تخيل قطعة حجرية صحراوية ترميها في بياض, تتصاعد من بيوتها دخان المطابخ والمداخن, وكانت مغطاة بالثلج وأشجار الصنوبر الخضراء شامخة وشاهدة على أهل هذه القرية, ظهر على وجوهنا علامات الرضا والسرور فقد كنا متعبين لأننا كما قلت خرجنا من بعد صلاة الفجر, وبعد وصولنا لتلك القرية المؤيدة للمجاهدين والمغطاة بالجبال من كل النواحي, توجهنا إلى المسجد, وكل القرى الأفغانية تبنى بالطين والتبن والسر في ذلك هو أن الطين يقاوم الحر في الصيف وكذلك الثلج والبرد في الشتاء, وعندما دخلنا المسجد شعرنا بالدفء لأن هناك تدفئة مركزية تقليدية كما سبقت وشرحت ذلك, وكان هناك درس شرعي في المسجد, كان الملا يفسر سورة الحاقة وهذه عادات كل المجتمعات الإسلامية حيث يتحلق جميع المسلمين في العالم بعد صلاة العصر للاستماع للعلماء وهم يفسرون القرآن الكريم الذي هو أعز شيء في قلوب المؤمنين, وقد دهشت لرؤية ذلك لأنني تذكرت بلادي حيث يقوم المفتي الأكبر بنفس الشيء وتذاع الحلقة مباشرة على الهواء, فعرفت عندها أن هناك ترابط روحي بين المسلمين من المشرق للمغرب, ومع آذان المغرب قدم لنا رجال القرية التمر والحليب وبعد الصلاة اتجهنا لبيت أحد المجاهدين وقدم لنا الطعام الشهي المطبوخ بالحطب, والخبز الصافي من التنور الأفغاني فقد كان الطعام تقليدي حيث استخدم فيه السمن البلدي والدجاج والبيض البلدي وكل شيء بلدي ولم نتمكن من إنهاء وجبة واحدة لأنهم يرفعون الصحون وتوضع أخرى, وقد استغربت من هذه العادة وعندما أخبرت الشيخ أسامة بهذه القصة فيما بعد زادني علما بعادات البادية ورجال القبائل بأنهم يحبون أن يأكلوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت