وفي نوفمبر سنة 1989 م كان الزلزال الثالث لجزر القمر, فمسلسل قتل رؤسائنا لم يتوقف أبدا, فالمخابرات الفرنسية أبت إلا أن تذلنا, لقد نُفّذ الانقلاب العسكري الدموي الثالث, وأصبحت جزر القمر تتقدم لحمل اللقب القياسي في الانقلابات العسكرية في الجزر الواقعة في المحيطات, وأصبح أصدقاء الأمس أعداء اليوم وانقلبت مرتزقة"بوب دي نار"على حبيبهم أحمد عبد الله وعذبوه في القصر الجمهوري بدار السلام قبل قتله هو وحارسه الشخصي بدم بارد وبطريقة وحشية, بسبب خلافات بسيطة تتمثل في تمديد مدة بقاء المرتزقة في البلاد, كما أرادت إعطاءها بعض الامتيازات الإضافية كالجنسية وما إلا ذلك, وما خفي كان أعظم فقد أظهر الرئيس أحمد بوضوح نيته الانضمام إلى جامعة الدول العربية, كما كانت توجهاته السياسية واضحة بخصوص جزيرة ماوري, فقد طالب مجلس الأمن بالتحقق من استحقاق جزر القمر لتلك الجزيرة, وهذه الأمور لم تعجب المستعمر الفرنسي الحاقد, فقرر استبداله بهذه الطريقة البشعة, وأصبحت جزر القمر لعبة في يد المستعمرين الفرنسيين إلى يومنا هذا, وقد تجاوزت الانقلابات العسكرية أكثر من 18 انقلاب إلى الآن, ولم يبكي أحدا على أحمد عبد الله لأنه كان يتصرف كديكتاتور في آخر أيام حكمه, كما تراجعت الأوضاع الاقتصادية وساءت الأمور ولم يتقاضى العمال رواتبهم الشهرية, كما ألغيت المنح المقدمة للطلبة, ولم يتلقى الجامعيين رواتبهم لفترة طويلة.
إنني أذكر جيدا يوم الانقلاب, ففي صباح ذلك اليوم اتجهنا كالعادة إلى الثانوية, وقد لفت انتباهنا أمر عظيم, فالإذاعة لم تعمل في الوقت المناسب, وإذاعة الجمهورية القمرية الاتحادية الإسلامية تستفتح بالقرآن الكريم ثم تفسيره ويليه دعاء أحد علماء أهل البيت وذلك في الساعة السادسة صباحا, وبعد ذلك تبدأ البث الاجتماعي ثم السياسي, ففي الساعة الثامنة يستمع الجميع إلى نشرة الأخبار, قبل أن تنتقل البث إلى الجرز الأخرى, وفي ذلك اليوم لم نسمع شيئا وكأننا في مدينة الأشباح, ساد الصمت والهدوء في العاصمة وشعرنا كلنا أن هناك شيء ما قد وقع, وبدأ بعض الشباب بالحديث عن ما سمعوا قبل مجيئهم إلى المدرسة, فبلدنا صغيرة وتنتقل الإشاعة بسرعة البرق, وقد ذكروا لنا أن بعض الناس قد سمعوا أصوات إطلاق الرصاصات في الليل, ورجعنا جميعا إلى البيوت, أما أنا فقد نزلت إلى أحد بيوت زملائي في حي"ماغوجو", واسمه سليمان, وكانت عائلته تحبني كثيرا, وهم من أصول مدغشقرية قمرية, وعندما فتحت أخته"مينا"الإذاعة سمعنا صوت سيد محمد جوهر رئيس القضاء العالي أو المدعي العام سميه ما شئت, سمعناه يتحدث ويحاول بصوت فيه الخوف والريبة تطمين المواطنين"إننا ... في ليلة البارحة ... قد سمعنا طلقات نارية من هنا وهناك ... وقد قتل الرئيس أحمد عبد الله, وأصبحت رئيسا للجمهورية حسب الدستور ... وسأبقى لفترة انتقالية مدتها 40 يوما فقط", أما نحن الشباب الملتزم فقد عرفنا أن البلد يسير إلى المجهول, وأنها في لعبة المحتلين من جديد, ويلعبون بنا بالدساتير والقوانين الغير شرعية, لقد عم الفرح في الشوارع وتعجبنا من نفاق بعض الناس, فهؤلاء كانوا ينتخبونه بسبب الأموال واليوم يفرحون برحيله, لم أفرح بالطريقة المتبعة في قتله.