فقد تذكرت أفغانستان في التسعينات وكنا نبهر عندما يأتينا خبر الشهداء أو المعارك, وعندما شاركنا لأول مرة في المعارك في شتى مدن وجبال أفغانستان شتاء وصيفا كان الأمر جديد علينا, وبفضل الله ثم بصبرنا كل هذه السنوات كسبنا خبرة فطرية في كيفية التعامل مع هذه المواقف أثناء التقاء الصفين.
فتّشت الأخ الشهيد من جديد لأتأكد من عدم ترك أي هوية له وأخذت كل شيء من جيبه وأعطيت سلاحه لأخ صومالي كان بجانبي وكان مهمته تذخير المخازن لنا, وطلبت من الإخوة بأن يسحبوه إلى الخلف ومحاولة دفنه في الحال, ولم يقدر الشباب فعل ذلك لأن المنطقة الخلفية كانت تمطر بقذائف المدافع والرشاشات الثقيلة وكانت الرمايات عشوائية ولكن في نفس مربع الحرب, لقد توهمت في عدة مناسبات أنني مصاب بسبب أن الرصاصات كانت تحك جسمي من كل مكان, وطلبت عدة مرات من الأخ المهاجر أن يمرر يده في جسمي ليتأكد أنني لا أنزف, تخيل يا أخي القارئ كثافة النيران التي تواجهنا وكثرة الرصاصات التي تخترق الهواء بجانبنا وتحك بعضها بنا ولم يختار الله سوى شخصين إلى الآن, كنا في حالة الحرب فلم يقدر أحدنا رفع رأسه عندما يبدأ العدو بالرمايات, والعجيب أننا استمرينا في القتال وجثة أخونا الشهيد عبدالرحمن بجانبنا كالحي الذي يشهد ما يجري وهو حي دون أدنى شك عند ربه.
استمرينا في القتال دون أن نرجع شبر واحد للخلف وبعد مدة انتهت منى كل الذخيرة التي معي وأخذت جعبة الشهيد واستخدمت مخازنه, وكنت أرمي نصف مخزن وأخرج وأدخل الثاني لكي يعبأ الأول, وطلبنا ذخيرة من الصفوص الخلفية وجاءنا أخ صومالي بصندوق فيه 800 طلقة وفتحناه وطلبت من الأخ البريطاني أن يركز على ملئ المخازن لي, كنا نقاتل بشراسة ولكن في نفس الوقت أردت حماية هؤلاء المهاجرين لألا يصابوا بأذى, وأخشى أن يصاب أحدهم ولا يقتل, فنقل الجرحى في تلك المرحلة كانت محنة عظيمة, واستمرينا في القتال وكلما هدأ العدو نفاجأه بالرمايات وقد استخدمت قنابل الشهيد للهجوم على بعض مواقع العدو القريبة منا, لقد ثبتناه في مكانه ولا يعرف كيف يتقدم, فنحن لم نبرح من أماكننا منذ بدأ المعركة, أما العدو فكان يمطرنا بالقذائف الكاتيوتشا ولذا فهمنا أنه يجهز المشاه الجديدة للتقدم فقد خسر الكثير من الجنود في هذه المعركة, وعندما يكثف من المدفعية فنحن نعرف أنه ينقل الجرحى ويبعث الموجة التالية, وهناك عادة لدى العدو الصليبي من الجيش الإثيوبي بصفة عامة فهم لا يهتمون بعدد القتلى, وفي نفس الوقت يخفون دائما خسائرهم و لكي نكون واضحين فهم يملكون أكبر جيش في أفريقيا, وعدد الشعب يتجاوز 70 مليون. كان هناك مشكلة أخرى تواجهني فلدينا شهيد آخر في الميمنة وطلبت من الأخ يوسف المهاجر بأن يرجع إلى الخلف ويهتم بالشهيد شاكر, ثم تركت موقعي لأتفقد خط الميسرة وهو خطنا ودخلت في عمق الخط ورأيت الشباب منبطحين في أماكنهم وفرحوا جدا لرؤيتي وطلبت منهم عدم ترك أماكنهم إلا لمن نفذ منه الذخيرة فيمكنه أن يتبادل مع الخط الاحتياطي الخلفي ولكن ما شهدته أن الجميع كان ثابتا وأراد البقاء في الخط الأمامي, شهدت أثناء تفقدي للخط أخ صومالي أصيب إصابة بالغة, وأخبرت الشباب بأن ينقلوه إلى دينصور بأي طريقة وفورا, أما الأمر الغريب الذي حصل في جبهتنا هو أن بمجرد بدأ مدفعية العدو بالقصف الشديد انسحبت كل سياراتتنا وبدلا من دخول الغابة والانتظار في مكان أبعد قليلا, انسحبت كلها إلى دينصور, وهذا ما كنت أخشاه لذا كنا وحدنا دون أي مدد إلا من الله, ولم يبقى