نعم، لكن ليس الامر كذلك، الغرباء الذين يعيشون في هذه البلاد التي فضَّلها الله تبارك وتعالى وميَّزها بكثير من الخصال من أهمها دعوة التوحيد التي سخَّر الله لها في هذه البلاد منذ نحو مئتي سنة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- فأحيا دعوة التوحيد حيث كانت الشرِكيَّات والوثنيات قد كادت أن تعم البلاد الإسلامية كلها ومنها هذه البلاد في الجزيرة العربية فأنقذ الله بهِ عباده هنا ثم سَرت يقظته هذه إلى البلاد الإسلامية الأخرى لكن بنسب متفاوته وقليله جداً، فمن كان غريباً هنا من الأعاجم أو العرب فهو يسمع ليل نهار عقيدة التوحيد وأن الله على العرش استوى وأن استواءه معلوم لغةً وهو الإستعلاء وأن الكيف مجهول، أن السؤال عن كيفية الأستواء بدعة، فهذا لا يكون معذوراً لأنه قد وُجد في جو يشبه جو تلك الجارية، من أين عرفت الجارية العقيدة؟ من المجتمع التي عاشت فيه فسيِّدها وسيِّدتها وأبناؤهما كلهم ينطقون بالعقيدة الصحيحة، فلماذا هي لا تكون كذلك عقيدتها صحيحة؟ وهذا مما يفسر به قوله عليه الصلاة والسلام وهو من أنباء الغيب: (( إن ربك ليعجب من أقوامٍ يُجَّرون إلى الجنة في السلاسل ) )كيف هذا؟! إشارة عظيمة جداً من نبينا صلى الله عليه وآله وسلم إلى الفتوحات الإسلامية التي ستقع من بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويأتون بالأسرى مغللين في الأصفاد فيعاشرون المسلمين وهم عبيد أرقاء لكن رِقهم هذا سينقلب نعمه ما بعدها نعمه عليهم فإنهم قد كانوا من قبل وهم أحرار في بلادهم يسمعون عن الإسلام كل سيئة بسبب القساوسة والرهبان والجهَّال وما شابه ذلك من الذين يذيعون السوء عن الإسلام والأفكار والعقائد السيئة، فلما ابتلاهم الله ووقعوا في الأسر وسِيقوا إلى بلاد الإسلام في الأغلال عاشوا مع المسلمين عن كثب وعن قرب واطَّلعوا أولاً على عقائدهم وعلى عبادتهم ثم على سلوكهم وأخلاقهم فوجدوها من أحسن ما يمكن أن يوجد على وجه الأرض فكان ذلك سبباً لدخولهم في الإسلام إختياراً وليس اضطراراً فدخلوا الجنة أي بسبب إسلامهم وهم قد سيقوا من قبل بالأغلال.
فهذه البلاد إذن ًمن كان فيها من الغرباء سواء من العرب أو الأعاجم فلا يُعذر بجهله لأنه إذا استمر في جهله فمعنى ذلك أنه مكابر ومعاند لأنه قد أقيمت الحُجة عليه فإنه يسمعها ليل نهار أما من كان في