وإنما هو حزبٌ يغلب عليه ما يغلب على الأحزاب الأخرى من التكتّل والتجمع على أساس دولة مصغَّرة من خرج عن طاعة رئيسها أُنذِر أولاً وثانيًا وثالثًا ربما ثم حُكم بفصلهِ، مثل هذا لا يجوز أن يتبناه جماعة ينتمون بحقٍ إلى كتاب الله وإلى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى منهج السلف الصالح.
فنحن نعلم جميعًا أنَّ سلفنا الصالح وعلى رأسهم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد كانوا مختلفين في بعض المسائل ولم يكن مثل هذا الاختلاف أولاً سببًا لإيجاد شيء من الفرقة بينهم، خلافًا لاختلاف الخلف فقد صاروا بسبب اختلافهم مذاهب شتى وطرائق قددا، حتى لم يَعُد الكثيرون منهم يرون جواز الصلاة وراء من خالفهم في مذهبهم، بل صار ذلك فرعًا فقهيًا، نصُّوا عليه في كتبهم، فقالوا في متونها أو في متون هذا الفقه: (ولا يجوز الصلاة وراء المُخالف للمذهب) ؛ هذا النص موجود في المذهب الحنفي وفي المذهب الشافعي، وفي الشرح ترى -أو الحواشي كما يقولون- ترى العجب العُجاب من التفاصيل التي لا يعرفها السلف الأول أولاً، ثم لا يتعرف عليها السلفيون ثانيًا، لأن الله -عز وجل- أغناهم عن أن يقعوا في مثلها لمعرفتهم -التي أشرتُ إليها آنفًا- أن الصحابة كانوا مختلفين في بعض المسائل ومع ذلك كانوا يصلون وراء إمام واحد، بينما الخلف نجد آثارهم في محاريبهم حتى اليوم؛ فنجد في المسجد الكبير أربعة محاريب؛ المحراب الأول للحنابلة، والثاني للشافعية، والثالث -وهو يكون في الوسط- للحنفية، والأخير إلى الشرق المحراب للمالكية؛ لأنهم أقل عددًا في تلك البلاد، فكان يؤم الناس في المسجد الكبير الإمام الحنفي إلى عهد قريب إلى عهد استعمار فرنسا للبلاد السورية، ذلك ميراث ورِثه الناس في سوريا من العهد العثماني؛ لأن العثمانيين كلهم كانوا حنفيين، فلما احتلت فرنسا سوريا ثم أقامت رئيسًا للجمهورية هو المسمّى بتاج الدين الحسيني؛ الذي هو من أولاد بدر الدين الحسيني؛ الذي كانوا يقولون في زمانه: (إنه محدث الديار الشامية) -ولستُ الآن في هذا الصدد- المهم أنّ هذا الشيخ تاج الدين بن بدر الدين كان رئيس جمهورية وعلى رأسه عمامة بيضاء على [طربوش] لأنه هكذا