الذي يبدو لي -والله أعلم- وقد ذكرتُ هذا في كثير من المناسبات أنَّ الاتكاء المذكور في الحديث الثاني في حديث الكبائر هو عين الاتكاء المذكور في حديث: (( لا آكل متكئًا ) )لأني لا أعلم وإن كان المعنى الأول هو الذي ذُكر في غريب اللغة ككتاب ابن أثير المعروف بالنهاية في غريب الحديث والأثر، قد ذكروا ما ذكرت لكم آنفًا أن قوله عليه السلام: (( لا آكل متكئًا ) )إنما المقصود به التربع، لكنّي حيث ما مررتُ بهذا اللفظ الاتكاء لا أجده إلا أنه يعني الجلوس مائلاً ومتكئًا على أحدِ شقّيه، فتفسير الحديث الأول: (( لا آكل متكئًا ) )أي متربعًا؛ كأنه شاذٌ ونابٍ عن الاتكاء المعروف في الأحاديث الأخرى كحديث: (( وكان متكئًا فجلس ) )هذا شيء.
والشيء الثاني أن المتربع هو جالسٌ فكيف يقال إنه متكئٌ وحديث الكبائر وهو من رواية أبي بكرة الثقفي في الصحيحين يقول وكان متكئًا فجلس، فالاتكاء ينافي الجلوس وينافي الاطمئنان، والجالس متربعًا فهو جالس ومطمئنّ في جلوسه، فلا يبدو لي -والله أعلم- أقولُ هكذا لأني كما أقول لكم دائمًا بيان الحقيقة لا أنسى أصلي وفصلي أنّني أعجمي وألباني وأهل اللغة أعرف بها من الغرباء أو المستعربين على الأقل، لكن الذي أجده مبثوثًا في الأحاديث هو أن الاتكاء كما جاء في حديث أبي بكرة الثقفي: (فجلس) أما المتربّع فهو جالس، هذا من فقه هذا الحديث.
وثانيًا وهو مهم جدًا فإن بعض الناس يأخذون من هذا الحديث: (( لا آكل متكئًا ) )ما يشبه النهي عن الأكل متكئًا، فإذا فسّروا الاتكاء بالتربع وفسروا (( لا آكل متكئًا ) )بالنهي، خرجوا بنتيجة فيها تشريع حكم فيه ثقل وفيه شدة على الناس أي لا يجوز أن يأكلوا متكئين أي متربعين، هذا أيضًا في اعتقادي خطأ؛ لأن قوله -عليه السلام-: (( لا آكل متكئًا ) )لا يعني أنه لا يجوز وإنما يعني: أنّني لا آكل متكئًا