ويتبين له شيئ كان خافياً عليه فيحكم على هذا الرجل بأنه ضعيف ويُضعِّف حديثه والذي لا علم عنده بهذه الدقائق وهذه الحقائق يقول هذا تناقض - صحيح تناقض ولنرجع الآن إلى أقوال الفقهاء في المسألة الواحدة وبخاصَّة الإمام أحمد رحمه الله تجده يُعطي أحكاماً مختلفة في المسألة الواحدة لماذا؟ لأن الإجتهاد يتغير والملاحظات تختلف بإختلاف تقدم الإنسان في العلم والسن و التجربة.
لعلكم تذكرون رواية تُروى عن عمَر بن الخطاب أنه سُئل عن قضية تتعلق بفريضة من الإرث فأجاب برأي، وبعد سنة تقريباً سُئل نفس السؤال فأجاب بجواب آخر، قيل له: من قبل قد أفتيت بجواب آخر؟ فأجاب: ذاك على ما أفتينا به وهذا على من نفتي به الآن يُشير إلى أن اجتهاد العالم قد يتغير، هذا في الفقه، فما بالكم في رواة الحديث الذين تختلف فيهم أقوال أئمة الجرح والتعديل فنفس الطالب يختلف رأيه مرة عن أخرى، فمن لا علم عنده ولا يعرف السبب في ذلك يستغرب فلا استغراب إذن من إختلاف علماء الحديث في الراوي الواحد. نرجع إلى الأصول، البخاري يقول كذا وأحمد يقول كذا لأن ذلك راجع إلى الإجتهاد وإلى دراسة أحاديث هذاالراوي الذي يُوثَق أو يُضعَّف فكلٌ بحسب ما فتح الله عليه ويسَّر له من العلم.
خلاصة القول: طالب العلم عليه أن يصبر على طلب هذا العلم لأنه في الحقيقة من أدق علوم الشريعة ولذلك كان من فضائل هذه الأمة أن تفرَّدت بعلم الحديث والإسناد على سائر الأمم كما شهد بذلك بعض غير المسلمين الدارسين ممَّن يُسمَّون بالمستشرقين، شهدوا بأن هذه الأمة تميزت بهذه الخَصلة بمعرفة الروايات القديمة بطريق الإسناد فلا جرم أنه ثبت عن الإمام عبد الله بن المبارك من شيوخ الإمام أحمد أنه قال: الإسناد من الدين، لأنه لولا الإسناد لأصاب دين الإسلام ما أصاب دين اليهود والنصارى فهم الآن لا يستطيعون أن يُثبتوا مطلقاً شيئاً يتعلق بهدي موسى أو عيسى، كتابا التوراة والإنجيل اللذان نزل من السماء على قلب موسى وعيسى عليهما السلام قد تغير وتبدَّل فما بالكم بأقوال هذان النبيين