الشيخ -رحمه الله-: السير والتهذيب، حديث أبي حنيفة لا يحسن عند أحد من أهل الحديث مطلقًا، وخير أحواله عند بعضهم أن يستشهد بحديثه أما أن يستلزم به فلا وأما ما يروى عن ابن معين أنه وثقه فهي رواية مرجوحة لسببين اثنين بل لأسباب ثلاثة:
السبب الأول: أنه قد روي عن ابن معين تضعيفه.
السبب الثاني: أن الجمهور على تضعيفه وعلى الحكم على حديثه بالنكارة.
الثالث والأخير: أن الجرح مقدم على التعديل وبخاصة إذا كان الجرح مفسرًا، وبصورة أخص إذا كان هذا التفسير صادرًا من جمهور المتكلمين في الراوي فحينئذ لا مجال لتقديم توثيق من وثقه على تجريح من جرحه، لأن الجرح مع كونه صادرًا ممن وثقه في الرواية، صادرًا من الجمهور الأكثرين من الأئمة، صادرًا مبينًا سبب الجرح ألا وهو اتهامه في رواية الأحاديث ورفعه لبعض الأحاديث الموقوفة ووصله لبعض الأحاديث المرسلة وهكذا. فجرح الإمام -رحمه الله- جرحٌ مفسر، لو كانت النسبة ما بين المضعفين والموثِّقين معكوسة، أي لو كان الموثقون هم الجمهور وكان المضعِّفون هم الأقلون فحينئذ يُقدَّم تضعيف الأقلين لأنه مقرون بدوام الجرح وليس قول الجمهور الأكثرين فما قولكم والواقع عكس ذلك تمامًا، فالجمهور الذين تكلموا في أبي حنيفة ضعَّفوه ثم بينوا سبب الضعف، فابن حبان مثلا يقول في ترجمته بأنه: يروي المناكير عن المشاهير، والإمام مسلم يقول في كتابه الوحدان بأنه: مضطرب الحديث، والإمام البخاري يقول فيه: يروي المناكير أو له مناكير -لا أستحضر ذلك الآن- وقد كنت ذكرت أقوال الجارحين له في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
فحديث أبي حنيفة رحمه الله لا يمكن أن يحسَّن لذاته، وإنما يمكن أن يُقوى بغيره وهذا كله كما ذكرت أيضًا هناك لا يخدش في مقام أبي حنيفة من حيث أنه من كبار علماء السلف ومن فقهائهم، لكن الفقه شيء والرواية شيء آخر كما قال الإمام مالك -رحمه الله- فيما رواه مسلم في مقدمة صحيحه:"في"