يدّعي أنه من حقه، ملائكة العذاب يعرفون من حياته الشر المستطير، ولذلك فهم يرون أن يتولوا قبض روحه، وملائكة الرحمة يرون كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: (( إنما الأعمال بالخواتيم ) )وهذا الرجل خرج تائبًا إلى ربه، فهو من حقنا نحن ملائكة الرحمة أن نتولى قبض روحه، فأرسل الله إليهم حكمًا، فقال لهم: قيسوا مابينه وبين كلٍ من القريتين، فإلى أيهما كان أقرب فألحقوه بإهلها، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى القرية الصالح أهلها بنحو ميل الرجل في أثناء مشيه، أن الرجل لايمشي هكذا، وإنما يمشي هكذا، هذه الميلة هي التي رجّحت المسافة القريبة منه إلى القرية الصالح أهلها، فتولت ملائكة الرحمة قبض روحه.
والشاهد من هذا الحديث الصحيح -وهو في الصحيحين البخاري ومسلم- الشاهد منه أن هذا العالم الفاضل عرف أن هذا الرجل الذي بلغت به الجرأة إلى أن يقتل تسعة وتسعين نفسًا من قبل، ثم أتم العدد بذلك العابد الجاهل، فصار القتلة الذين قتلهم مائة بغير حق، يشير هذا العالم أن هذه النفس الأمارة بالسوء إنما ساعدها على ذلك البيئة التي كان يعيش فيها وقضى شطر حياته الأكبر فيها، ولذلك ناصحه بأن ينتقل من تلك البلد الشريرة إلى البلدة الصالحة.
والأحاديث التي تؤكد هذه الحقيقة أن البيئة تؤثر في الإنسان صلاحًا أو طلاحًا، ومن العجائب أن البيئة تؤثر من الناحية الأخلاقية والإيمانية كما تؤثر من الناحية الطبية، والناس اليوم بصورة خاصة يُعنون بتصفية البيئة من كل مايؤثر بالصحة البدنية، والطب قائم اليوم على أساس يقره الشرع، بل قد جاء قبل الطب به ألا وهو الحجر الطبي، وذلك معناه أن الإنسان يجب قبل كل شيء أن يختار المناخ الصحي الذي يساعده على أن يحافظ على صحته، ولاينتقل إلى أرض موبوئه هذا مما يهتم به الناس اليوم كثيرًا وكثيرًا جدًا، أما الجانب الأخلاقي ومراعاة البيئة الصالحة، فهذا مما لايهتم به إلا المسلمون -بخاصة- وبعض الناس الأخرين من أصحاب الأديان الأخرى بقلة جدًا، ولذلك فقد يؤثر من يقيم بين ظهراني