بعض هذه الأسباب، لهذه الغاية يتجنب التصريح بالتحديث، لأنه لو صرّح بالتحديث ولم يسمعه منه يكون كاذبًا، فهو يعلم أن الكذب حرام وأنه لو كذب حُشر والحالة هذه في زمرة الكذابين فهو لايكذب وهو يخشى الله، ولكنه يأتي بعبارة توهم السامعين أنه سمع الحديث من شيخه والواقع أنه لم يسمع ذلك، لذلك سماه علماء الحديث"تدليسًا"ذلك لما فيه من إيهام السماع وهو لم يسمع، وهذا التدليس نوع من أنواع التدليس ويُسمى"بتدليس الإسناد"والذي يدفع بعض المدلسين على هذا النوع من التدليس أسباب كثيرة بعضها مغتفرة وبعضها يؤاخذ عليها، بحيث أنه لو تبين أن المدلس من هذا النوع قصد هذا الجنس الثاني من السبب يسقط حديثه.
من الأسباب التي تدفع المدلِّسَ على التدليس ولاتسقط به عدالته أن يكون شيخه مثلاً أصغر منه سنًا، فلا يروق له أن يروي عن من هو أصغر منه سنًا، أمر شكلي محض لكنه لا يقصد ماسيقصده الجنس الثاني من المدلِّسين، أو لا يروي عن شخصٍ لايُصرّح باسمه لأمور سياسة مثلاً، قد يكون شيخه من الأشخاص الذين تراقبهم الدولة في ذلك الزمان وتحاول القبض عليه، فهو لايريد أن يقول حدثني فلان لأن الدولة ربما تأتيه وتسأله أين لقيت فلان وأين أجتمعت بفلان، فيقع في مشكلة سياسية، فهو يريد أن يجتنبها فلا يسمِّي شيخه لهذا السبب، هذا بعض الأمثلة التي يلجأ إليها بعض المدلِّسين، لإسقاط الواسطه بينه وبين شيخه الذي هو من عادته أن يروي عنه بالسماع.
أما النوع الثاني من أسباب التدليس فهو قبيحٌ جدًا، ومن ثبت ذلك عنه تسقط عدالته، كأن يسقط الشيخ بعلمه بأنه ضعيف لايحتج بحديثه، فهو يسقط الشيخ الضعيف بينه وبين شيخ شيخه، يظهر الإسناد سالمًا من الضعف، وهذا بلا شك -كما ترون برؤية واضحة جدًا أنه تدليس خبيث-لأنه يظهر السند الضعيف بمظهر السند الصحيح، وفيه خيانة في أداء الأمانة العلمية لايجوز للمسلم أن يقع في مثلها، هذا النوع من التدليس يسمى كما قلنا"تدليس الإسناد".