على هذا يُفسَّر الحديث، وخلاصة ذلك: أن الميت الذى لم يذكر أهله بما يجب عليهم من النصح أنه إذا مات أن لا يبكوا عليه، هذا هو الذي يُعذَّب، والعذاب ليس هو بمعنى الألم والحزن؛ وإنما هو بمعنى العذاب الذى يستحقه العاصي يوم القيامة أو في القبر، ويؤيد هذا المعنى من السنة ومن النَّظر أيضًا.
أما السنة ففي رواية للمغيرة بن شعبة قال: (( إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ). يُعذَّب يوم القيامة.
بينما التفسير الثاني الذي فسَّر العذاب بالألم فهو يعني وهو في القبر؛ وإنما حديث المغيرة يقول: (( يُعذَّبُ يَوْمَ القِيَامَةِ ) )، أما النظر فسأذكره قريبًا -إن شاء الله-.
فالتفسير الثاني أنه يتألم؛ فمعنى ذلك أن الميت إذا مات ما انقطعت علاقته مع الناس، فهم يحس بهم، ويتألم بألمهم؛ وهذا الكلام ليس صحيحًا؛ لأنَّ الميت إذا مات انقطعت علاقته بهذه الحياة الدنيا؛ فهو لا يسمع ولا يحس بشيء؛ كما قال تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [1] ، {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} [2] .
فإذن فالأموات لا يسمعون، فكيف يقال إن الميت إذا بكى أو ناح أهله عليه هو يحس ببكائهم ويتألم لألمهم؟!
هذا المعنى مع مخالفته للحديث: (( يُعذَّبُ يَوْمَ القِيَامَةِ ) )فهو يُخالِف نصوص أخرى في الكتاب وفي السنة التي تدل أن الميت لا يسمع ولا يحس، إذن المعنى الأول هو المعنى الصحيح.
مما جنح إليه من فسَّر العذاب للميت بأنه الألم والمشقة، وليس العذاب بمعنى النَّكال الذي يلقاه الكافر أو الفاسق؛ لأنَّ قوله عليه السلام: (( السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ ) )لا يعني عذاب جهنم؛ وإنما المشقة، لكن يرد على هذا ما ذكرته آنفًا أن الميت إذا مات انقطعت علاقته مع الدنيا؛ فلا يحس بشيء، فلا يسمع ولا أي شيء.
(1) [فاطر: 22] .
(2) [النمل: 80] .